التعذيب والتنكيل أثناء التحقيق

التعذيب والتنكيل طبقا لقرارات محكمة العدل العليا

تم النشر في: 
1.1.11

في 6 أيلول 1999، نشرت محكمة العدل العليا قرارها بخصوص عدد من الالتماسات المقدمة ضد دولة إسرائيل وجهاز الأمن العام وطلب منع استعمال عدد من وسائل التحقيق التي تعتبر تنكيلا حسب القانون. وقد تم السماح لجهاز الأمن العام باستعمال هذه الوسائل من قبل الحكومة، استنادا إلى توصيات لجنة حكومية يرأسها القاضي السابق موشيه لاندوي. وقد حددت هذه اللجنة أنه لغرض منع الإرهاب، يحق لمحققي جهاز الأمن العام، استنادا إلى مبدأ الحاجة في قانون العقوبات، استعمال "الضغط النفسي" وكذلك "قدر معقول من الضغط البدني" ضد من يتم التحقيق معهم.
 
وقد غيّر قرار الحكم الحالة القانونية التي كانت سائدة حتى ذلك الوقت في إسرائيل بخصوص صلاحيات جهاز الأمن العام فيما يتعلق بالتحقيق مع المشتبه بهم بالنشاطات الإرهابية. وقد كان الاستنتاج المركزي، وبخلاف الاستنتاج الخاص بلجنة لاندوي، بأن جهاز الأمن العام لا يملك الصلاحية القانونية لاستعمال وسائل التحقيق البدنية التي تشذ عن قواعد التحقيق "المعقول والمنصف" والتي تسبب المعاناة لمن يتم التحقيق معه. إن كرامة الإنسان، كما حدد رئيس المحكمة في ذلك الوقت اهارون براك "هي أيضا كرامة الإنسان الخاضع للتحقيق". ومع هذا، فإن كل تحقيق قد يكون باعثا على الضغط وعدم الراحة بالنسبة لمن يتم التحقيق معه. إن مثل هذا الضغط يعتبر قانونيا فقط إذا كان "نتيجة مصاحبة لاحتياجات المنع الخاصة بالتحقيق" وليست مطلقا وسائل لذاتها تهدف إلى استنزاف المعتقل وكسر معنوياته.

في ظل غياب تشريع واضح يسمح باستعمال الضغط البدني، فقد تحدد في القرار أن "صلاحية التحقيق الممنوحة حسب القانون للمحقق في جهاز الأمن العام هي ذات الصلاحية الخاصة بالتحقيق الممنوحة حسب القانون لمحقق الشرطة". طبقا لذلك، فإن استعمال "الوسائل البدنية" من قبل جهاز الأمن العام يعتبر غير قانوني وهو يشذ عن مبادئ التحقيق المعقول، يمس حق المعتقل بالكرامة (المقنن في قانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته) ويشكل مخالفة جنائية حسب قانون العقوبات.  

على أساس هذه المبادئ، فقد فحص قرار الحكم أربعة وسائل تحقيق بصورة خاصة استعملها جهاز الأمن العام كما جرى الإخبار عن ذلك من قبل الملتمسين: الهز العنيف، إرغام المعتقل على الجلوس على أطراف أصابع قدميه لمدة بضع دقائق في كل مرة، وسيلة "الشبح" التي تنطوي على إجلاس المعتقل على كرسي منخفض مع تمييله إلى الأمام وإلى الأسفل بحيث تكون يداه مقيدتان إلى الأسفل من وراء ظهره، تغطية الرأس بكيس محكم الإغلاق وإسماع الموسيقى الصاخبة بصورة متواصلة ومنع النوم.
بخصوص الوسائل الثلاث الأولى، فقد حدد الحكم القضائي أنها تشذ عن قواعد التحقيق المعقول وليست مطلوبة لأهداف مشروعة مثل منع الاتصال ما بين المعتقلين، ولهذا لا توجد لجهاز الأمن العام أي صلاحية باستعمالها ولا في أي حالة. وفي المقابل، بخصوص منع النوم، فقد حدد القضاة أنه يوجد صلاحية لجهاز الأمن العام لاستعمال هذه الوسيلة إذا كان استعمالها "ناتج مصاحب" للتحقيق المكثف وليست كوسيلة بحد ذاتها.

إن موقف محكمة العدل العليا بخصوص مسألة الصلاحيات الخاصة بجهاز الأمن العام وقانونية الوسائل التي يستعملها، هي عموما موقف لائق يتفق مع مبادئ القانون الدولي. وفي المقابل، فقد أخطأت محكمة العدل العليا عندما حددت أن محققي جهاز الأمن العام الذين شذوا عن صلاحيتهم واستعملوا "الضغط البدني" المرفوض ضد المعتقلين قد لا يتحملون المسئولية الجنائية عن أفعالهم إذا اتضح فيما بعد أنهم قاموا بهذا في "الظروف المناسبة". إن قاعدة هذا الاستنتاج موجودة من وجهة نظر محكمة العدل العليا في مبدأ الحاجة في قانون العقوبات.

أما موقف الدولة الذي اعتمد على استنتاجات لجنة لاندوي، فقد أكد على أن مبدأ الحاجة هو الذي يمنح محققي جهاز الأمن العام، بصورة مسبقة وأوتوماتيكية، الصلاحية القانونية لتفعيل الضغط البدني على المعتقلين في ظروف معينة. وقد ردت محكمة العدل العليا هذا الموقف. وقد بررت المحكمة ذلك بأن مبدأ الحاجة "يُعنى بالحسم الشخصي لشخص يرد على حالة واقعية ومعطاة" ولهذا لا يمكن له أن يكون مصدر صلاحية لعمل الموظفين الرسميين، بل كحماية "فقط" من المسئولية الجنائية فيما بعد.

وقد تملص القضاة في قرار الحكم من التحديد بصورة صريحة بأن طرق التحقيق التي تم تداولها تشكل تعذيبا أو على أدنى تقدير تنكيلا ممنوعا، مع أن هذا التحديد كان مطلوبا من وصف الوسائل في قرار الحكم ومن السوابق التي تحددت من قبل هيئات دولية رسمية. يمكن الافتراض بأن هذا التملص كان ينبع، من بين أمور أخرى، من الحقيقة بأنهم لو حددوا ذلك لكان قرار الحكم مصادما تماما للقانون الدولي الذي يوجب على الدول تقديم الأشخاص المسئولين عن تنفيذ التعذيب أو التنكيل للمحاكمة والذي يحظر على الدول التذرع بالظروف غير الاعتيادية من أجل تبرير مثل هذه الأعمال.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل المعاني القيمية التي تتجاوز المجال القضائي والمجتزئة من الاعتراف بأن مبدأ الحاجة قد يسري على فعل معين. إن هذا يعني أن ذات العمل الذي يسقط عليه مبدأ الحاجة كان في الظروف التي وقع فيها الشيء الصحيح الذي كان يتوجب فعله، وكان يهدف إلى منع وقوع خطر أسوأ بكثير. على خلفية هذه المعاني القيمية، ليس من الغريب أن القضاة اختاروا التملص من التحديد بصورة واضحة بأن وسائل التحقيق الموصوفة في قرار الحكم تشكل تعذيبا أو تنكيلا. إن هذا التملص لا يمكنه أن يشوش الحقيقة المؤسفة بأن أعلى جهة قضائية في إسرائيل قد منحت الشرعية، ولو ضمنيا، لممارسة التعذيب والتنكيل.

إلى جانب هذا، فقد امتنعت محكمة العدل العليا من خلال الحكم القضائي عن تقديم تعريف صارم وبيّن لـ"الظروف المناسبة" التي قد يسري فيها مبدأ الحاجة. لقد كان هذا الامتناع بمثابة خطأ يُضاف إلى الخطأ الأكبر، حيث فتح هذا الامتناع فتحة واسعة لجهاز الأمن العام ومستشاريه القانونيين للتدهور في "منحدر أملس" يتعلق بحجم التنكيل والتعذيب.  
   

 

warning: htmlspecialchars() expects parameter 1 to be string, array given in /var/www/www.btselem.org/htdocs/includes/bootstrap.inc on line 860.