خلفية عن التعذيب والتنكيل في إطار التحقيقات

تم النشر في: 
1.1.11

إن حق الإنسان في أن يكون حرا من التنكيل والتعذيب (البدني والذهني) يعتبر أحد حقوق الإنسان التي تُعتبر مطلقة، أي أنه حق لا يقبل "الموازنة" مع أي حق أو قيم أخرى وهو حق لا يمكن تأجيله أو تقييده ولا حتى في الظروف القاسية للحرب أو مكافحة الإرهاب. إن هذا الحق يحظى اليوم بأعلى مكانة وهو الأكثر إلزاما في القانون الدولي.

لغاية نهاية سنوات التسعينيات، استعمل جهاز الأمن العام (الشاباك) في إطار التحقيقات التي أجراها مع الفلسطينيين من سكان الاراضي المحتلة وبصورة اعتيادية تشكيلة من وسائل التحقيق التي تشكل تنكيلا بل وتعذيبا. وقد سمحت الحكومة لجهاز الأمن العام باستعمال هذه الوسائل استنادا إلى التوصيات الصادرة عن لجنة حكومية برئاسة القاضي سابقا موشيه لاندوي. وقد حددت هذه اللجنة أنه لغرض منع الإرهاب، من صلاحية محققي جهاز الأمن العام استعمال "الضغط النفسي" ضد من يتم التحقيق معهم وكذلك "قدر معتدل من الضغط البدني". إن هذه الصلاحية مقننة، طبقا لرأي اللجنة، في "مبدأ الحاجة" في قانون العقوبات.

في شهر أيلول 1999، نشرت محكمة العدل العليا حكما قضائيا يعتبر سابقة. وقد حدد الحكم، وعلى النقيض من توصيات لجنة لاندوي، بأن القانون الإسرائيلي لا يمنح محققي جهاز الأمن العام أية صلاحية لاستعمال وسائل التحقيق البدنية وأن الوسائل المعينة التي جرى التداول بشأنها في الالتماس ليست قانونية. ومع هذا، وطبقا لقرار الحكم، فإن محققي جهاز الأمن العام الذين تجاوزوا الصلاحيات الممنوحة لهم واستعملوا "الضغط البدني" المرفوض بحق من يتم التحقيق معهم قد لا يتحملون المسئولية الجنائية عن عملهم إذا اتضح لاحقا أنهم قاموا بهذا في حالة "القنبلة الموقوتة".

وقد أدى قرار الحكم هذا إلى انخفاض ملحوظ في كمية التقارير حول استعمال العنف والتنكيل ضمن تحقيقات جهاز الأمن العام. ومع هذا، وفي ظل الاعتراف بالحالة الشاذة المتعلقة بـ"القنبلة الموقوتة" من قبل محكمة العدل العليا، استمر استعمال هذه الوسائل المرفوضة في التحقيقات لكن بحجم أقل. هكذا على سبيل المثال، في تموز 2002، اقتبست صحيفة "هآرتس" مسئولا رفيعاً في جهاز الأمن العام، والذي أشار إلى أنه منذ صدور قرار المحكمة العليا تم تعريف 90 فلسطينياً على أنهم "قنابل موقوتة" وقد تم إخضاعهم لوسائل "تحقيق شاذة"، أي التعذيب بكلمات أخرى. وفي إطار المقابلة التي أجرتها صحيفة "معاريف" مع ثلاثة من محققي جهاز الأمن العام، الذي نشر في تموز 2004، اعترف أحد المحققين بأن جهاز الأمن العام يستعمل "جميع الوسائل الممكنة حتى الهز والضرب". وقد جمعت اللجنة الشعبية لمكافحة التعذيب في إسرائيل عشرات الإفادات القانونية من الفلسطينيين الذين خضعوا للتحقيق من قبل جهاز الأمن العام، وذكروا أنهم تعرضوا لوسائل تحقيق عنيفة.

في تشرين الأول 2010 نشرت بتسيلم وهموكيد – مركز الدفاع عن الفرد تقريرا شاملا, يفحص تعاطي الشاباك مع المعتقلين الذين تم التحقيق معهم واعتقالهم في معتقل بيتح تكفا. وقد استند التقرير الى إفادات 121 فلسطيني مشتبه بهم باقتراف مخالفات أمنية، في الربع الأول وفي الربع الأخير من العام 2009. هذا التقرير يواصل ويعزز نتائج التقرير السابق للمنظمات من أيار 2007 المبني على إفادات 73 معتقلا تم التحقيق معهم بين الأشهر تموز 2005 ولغاية شهر آذار 2006.

منع النوميتضح من هذين التقريرين أن جهاز الأمن العام يستعمل بصورة روتينية نظام تحقيقات يرتبط بالتنكيل النفسي والبدني بمن يتم التحقيق معهم. ويضم هذا النظام عددا من الجوانب الأساسية: عزل المعتقل عن العالم الخارجي، استعمال ظروف السجن كوسيلة للضغط النفسي وكذلك بعض الوسائل لإضعاف الجسم، تقييد المعتقل بوضعية مؤلمة، إذلال المعتقل واستعمال التهديدات ضده. التقريران متباينان من حيث الواقع الذي يصفانه. التقرير من العام 2007 يوثق عددا قليلا من الحالات التي اقترفت فيها انتهاكات مميزة بصورة خاصة التي تعتبر تعذيبا بمعنى الكلمة. في هذه الحالات، التي يعرفها جهاز الأمن العام على أنها "قنبلة موقوتة"، تم اتباع وسائل تحقيق عنيفة وبضمن ذلك الضرب، شد القيود، شد الجسم بصورة مفاجئة، ثني الظهر وغيرها. في مقابل ذلك، فإن التقرير الذي يتابع منشأة الاعتقال في بيتح تكفا يسعى إلى متابعة روتين التحقيقات على امتداد العام 2009، وليس فقط توثيق الانتهاكات القاسية التي تعتبر تعذيبا بدنيا صعبا.

إن متابعة وسائل التحقيقات في العام 2009 يُظهر أن المعتقلين في بيتح تكفا يتم احتجازهم في ظروف غير إنسانية، بهدف تحطيم أبدانهم ومعنوياتهم. يتم احتجاز المعتقلين في زنازين ضيقة بدون شبابيك، وفي بعض الأحيان متعفنة وتفوح منها رائحة كريهة، وهي مضاءة طيلة الوقت بإضاءة اصطناعية تؤلم العينين. ويتم احتجاز بعضهم في عزل تام عن المحيط. وقد أبلغ جزء من المعتقلين عن تعرضهم لدرجات حرارة عالية جدا أو منخفضة جدا وعن منع النوم. ظروف النظافة الشخصية مخزية، ومن بين ذلك، قيام سلطات السجن بحرمان المعتقلين من الاستحمام، تبديل الملابس واستعمال ورق التواليت. يتم تقديم الغذاء في المعتقل بجودة متدنية وبكميات غير كافية، حيث يفقد المعتقلون من أوزانهم خلال الاعتقال. في غرف التحقيق، يقوم المحققون بإرغام المعتقلين على الجلوس وهم مقيدين بكرسي صلب بدون إمكانية لتحريك أجسادهم، لمدة ساعات بل وأيام. يقوم المحققون بتهديد المعتقلين، وبضمن هذا التهديدات المتعلقة بأبناء الأسرة، بل ويستعملون العنف معهم.

بين الفينة والأخرى تصل إلى بتسيلم إفادات من معتقلين فلسطينيين مروا بالتنكيل والتعذيب من قبل رجال الشرطة في شرطة إسرائيل. في جزء من الحالات يدور الحديث حول معتقلين تم التحقيق معهم للاشتباه بهم بالضلوع في نشاطات إرهابية بينما توجد حالات أخرى يدور الحديث فيها عن فلسطينيين تم اعتقالهم والتحقيق معه على خلفية مكوثهم في إسرائيل بدون تصاريح.