اعلان منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم عن الصراع في لبنان

الإشتباه باقتراف جريمة حرب: قتل العشرات من المدنيين اللبنانيين في قرية قانا، 30.7.2006

في 30.7.2006 قصف سلاح الجو الإسرائيلي مبنىً سكنياً في قرية قانا في الجنوب اللبناني، متسبباً في موت العشرات من المدنيين الذين تواجدوا في المبنى. وفقاً لإدعاءات جيش الدفاع الإسرائيلي، فإن الحديث هو عن "منطقة" تم منها إطلاق الصواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية. غير أن المعطيات التي تم الكشف عنها منذ ذلك الوقت، تشير إلى أنه لم يتم إطلاق أية صواريخ من قرية قانا يوم القصف. يتضح أن الهجوم كان انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي؛ وهناك شك باقتراف جريمة حرب. توجهت بتسيلم إلى المدعي العام العسكري بطلب الشروع بالتحقيق من قبل الشرطة العسكرية.

خلفية

في يوم القصف، ذكر جيش الدفاع الإسرائيلي في معرض ردّه "أن الهجوم نفّذ نتيجة الإطلاق المتواصل للصواريخ خلال الأيام الأخيرة باتجاه البلدات الإسرائيلية من داخل المنطقة التي تمت مهاجمتها". كما أفاد الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي "أن الجيش حذّر مسبقاً كافة القرى الواقعة في تلك المنطقة، ومن ضمنها قرية قانا، بعدم البقاء في مناطق إطلاق الصواريخ".

بعد القصف بيومين، نشرت جريدة "هآرتس" تقريرا حول وجود معطيات جديدة كانت قد اتضحت حينها والتي تشكك في ما ورد من أقوال على لسان الجيش الإسرائيلي. وقد جاء في التقرير: "...تبين أنه لم يتم العثور على حالات إطلاق لصواريخ الكاتيوشا في السابق من ساحة المنزل الذي تم قصفه وأنه لم تكن هناك أي معلومات حول تواجد عناصر حزب الله في المكان. تم استهداف المنزل لأنه تم في السابق إطلاق صواريخ الكاتيوشا من مكان غير بعيد عنه، ولذا قرر سلاح الجو الإسرائيلي مهاجمة المنازل الموجودة في قطر معين من موقع إطلاق الصواريخ، كما حصل مع مواقع أخرى لإطلاق الصواريخ. في يوم الإغارة لم يتم العثور على حالات إطلاق من قرية قانا".

إذا ثبتت صحة المعطيات الجديدة، فإن القصف الذي شنَّ على مبنى سكني في قرية قانا نفذّ من خلال الانتهاك الفاضح للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، بل وهناك شك باقتراف جريمة حرب.

إن المبدأ الذي يشكل قاعدة أساس في القانون الإنساني الدولي هو مبدأ التمييز الذي يقضي بضرورة التمييز بين المدنيين وبين المقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية. إن الأهداف العسكرية المشروعة تقتصر على الأهداف التي بفعل مواقعها، طبيعتها، غاياتها أو استعمالها تساهم مساهمة فعالة في النشاط العسكري للعدو والتي من المتوقع أن تؤدي إصابتها إلى تحقيق تفوق عسكري بارز في الظروف السائدة في ذلك الوقت. ينص القانون الدولي بشكل واضح على أنه في حال وجود شك بأن الهدف المستخدم عادة لأغراض مدنية، مثل البناء السكني، قد تم استخدامه أيضا لأغراض عسكرية، عندها يمكن الافتراض أن الهدف لا يستخدم لأغراض عسكرية، وعليه، يجب الامتناع عن مهاجمته.

البناية السكنية في قرية قانا كانت تستخدم بشكل عام لأغراض مدنية، ويتضح من المعلومات الجديدة التي تم نشرها، أنه لم تكن هناك أي إشارة إلى استخدامها كهدف عسكري أيضاً. إذا لم يتم إطلاق صواريخ الكاتيوشا من ذلك المنزل وإذا لم يثبت وقوع أي إطلاق للصواريخ من قرية قانا يوم الحادث ولم تكن هناك معلومات حول تواجد عناصر حزب الله في المكان، إذن لم تكن هناك إشارة إلى أن المبنى كان له دور فعال في النشاط العسكري للعدو وأنه لم يكن من المتوقع ان تعود إصابته على الجيش الإسرائيلي بأي تفوق أو فائدة عسكرية في الظروف السائدة في ذلك الوقت، وما من شك أن الحديث ليس عن تفوق ملحوظ. على ضوء هذا كله، إذا كانت المعلومات التي نشرت صحيحة فعلاً، فإن المبنى لم يشكّل هدفاً عسكرياً مشروعاً ومهاجمته محظورة أصلاً.

في إطار الحظر المفروض على الاعتداءات دون تمييز، فإن القانون الإنساني يرفض بشكل واضح الاعتداءات على مناطق سكنية يسكنها المدنيون والتي لا تميز بين الأهداف العسكرية وبين الأهداف المدنية المتاخمة لها. وعليه، حتى إن أطلقت في السابق صواريخ الكاتيوشا من منطقة ليست ببعيدة عن المبنى، فإن القرار بالهجوم على أهداف مدنية تقع في محيط معين من موقع إطلاق القذائف مخالف تماماً لتعاليم القانون الإنساني.

إضافة إلى ذلك، حتى إن كانت المعلومات الجديدة التي نشرت مغلوطة والبناية شكلّت بالفعل هدفاً عسكرياً مشروعاً (على سبيل المثال، بسبب العثور على مخازن من الأسلحة أو على مقاتلي حزب الله أثناء القصف) فإن شكوكاً كبيرة تخيم على مدى استيفاء ذلك الاعتداء لمعايير القانون الإنساني.

علاوة على مبدأ التمييز، فإن القانون الإنساني يحتّم على الأطراف المتحاربة التزام مبدأ النسبية وضرورة توخّي الحذر المتواصل لتجنب إصابة المدنيين العزّل والأهداف المدنية بشكل عام.

على ضوء ما ذكر، فإنه حتى لو كان المبنى السكني هدفاً مشروعاً، فإن المسؤولية تقع على الأطراف المنفّذة للهجوم بأن تفعل كل ما بوسعها لضمان عدم المساس بالمدنيين، وكان الأجدى بها أن تؤجل أو تعلّق الهجوم ما دام هناك توقع لإصابة مدنيين وأهداف مدنية بإصابة بالغة إذا ما قورنت مع التفوق العسكري المحدد والمباشر الذي كان من المتوقع أن يجلبه هذا الهجوم.

إن الإدعاء الذي يعفي الجيش الإسرائيلي من المسؤولية عن نتائج القصف كونه حذّر المواطنين مسبقاً هو ادعاء مثير للسخط والأجدر عدم إسماعه. لقد نشر قبل القصف عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية أن الكثيرين من سكان الجنوب اللبناني لم يتمكنوا من المغادرة تلبية لنداءات الجيش الإسرائيلي، لأسباب من ضمنها أن القصف الذي شنه الجيش الإسرائيلي قد هدم الطرق والجسور في جنوب لبنان وأصاب وسائط النقل التي عملت على ترحيل اللاجئين في طريقهم شمالاً. في هذه الظروف، من الواضح ان تحذيرات جيش الدفاع الإسرائيلي لم تؤت نفعاً وأنه كان على منفذي الهجوم أن يتوقعوا وجود مدنيين في مبنى سكني أثناء القصف. إن التغاضي عن وجود احتمال كهذا لا يتماشى مع واجب توخّي الحذر.

علاوة على ذلك، فإن هذا التغاضي لا يتماشى مع مبدأ النسبية الذي يلزم الأطراف المسئولة عن الهجوم أن تضع نصب أعينها احتمال تعرض المدنيين للإصابة وفحص ما إذا كان تلك الإصابة مفرطة مقارنة مع التفوق أو المردود العسكري المنشود.

إذا كان الهجوم على المبنى السكني في قرية قانا قد نفّذ بالفعل من خلال انتهاك فاضح لمبدأ التمييز أو مبدأ النسبية، فإن هناك ثمة شك كبير في أن جريمة حرب قد اقترفت تحت مظلة ذلك الهجوم وعلى المتورطين فيه أن يتحملوا المسؤولية الجنائية الشخصية على دورهم في هذا العمل.

إن دولة إسرائيل ملزَمة باحترام مبادئ القانون الجنائي العالمي، التحقيق بالشبهات حول الإخلال بهذه المبادئ، وفي حالة ثبوت الشبهات بوقوع إخلال فاضح يجرّ معه المسؤولية الجنائية، فيجب عليها تقديم المسئولين للمحاكمة، استخلاص العبر واتخاذ الخطوات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الأعمال في المستقبل. إذا فشلت إسرائيل في تنفيذ واجبها هذا، فإنه في هذه الحالة أو في حالات أخرى في المستقبل، هناك احتمال أن تقوم هيئات دولية أو دول أخرى بتفعيل السلطة قضائية وأن تقوم بذلك بدلاً عنها.