منذ اندلاع انتفاضة الأقصى تنتهج اسرائيل سياسة هدم البيوت، قلع الأشجار
وإتلاف المساحات الزراعية في قطاع غزة. ويتم تطبيق هذه السياسة بصورة خاصة
في المناطق التي تحيط بالمستوطنات، وعلى أطراف الشوارع التي يسافر فيها المستوطنون
وفي محيط المواقع العسكرية، وخاصة محيط الحدود مع مصر.
إن هذه السياسة هي جزء من استراتيجية الدفاع التي
قامت اسرائيل بتطويرها في قطاع غزة. وليس عبثاً يدعي رئيس هيئة الأركان
أن "هدير الجرافات" هو
سلاح استراتيجي في هذه الحالة. وأن اسرائيل تريد بناء ما يشبه "الحزام
الأمني" حول الأماكن التي يتواجد فيها مواطنون اسرائيليون أو عناصر الأمن،
من أجل منع العمليات ضدها مستقبلاً.
يتم هدم البيوت عادة في ساعات الليل، دون أن يُعطى السكان أي إنذار مسبق.
وفي بعض المناطق التي يجري فيها تبادل اطلاق النار بين الفلسطينيين وجنود
الجيش الإسرائيلي، غادر قسم من السكان بيوتهم وانتقلوا للعيش في مناطق أكثر
أمنا وسلامة. غير أنه في الغالبية الساحقة من الحالات بقي قسم من أبناء العائلة
في بيوتهم من أجل الحفاظ على ممتلكاتهم. ويتضح من عشرات الشهادات التي قامت
بتسيلم بجمعها من الفلسطينيين ان هؤلاء السكان اضطروا الى الهرب من بيوتهم
بعد أن أيقظهم ضجيج الدبابات والجرافات والتي انتصبت على عتبات بيوتهم. وقد
دُفِنَت الممتلكات التي كانت في البيت تحت أنقاض الردم والهدم.
إن الإسم الذي تطلقه اسرائيل على هذه السياسة
– "التعرية"- يخفي
في طياته الأبعاد الهدامة وطويلة الأمد على سكان قطاع غزة. وقد بقي الآلاف
من السكان بلا سقف يأويهم فيما فقد الآلاف مصدر دخلهم الوحيد لسنوات طويلة.
وقد تم الحاق الضرر بهؤلاء المواطنين على الرغم من أن اسرائيل لا تدعي
أنهم كانوا ضالعين في المس، أو محاولة مس مواطنين اسرائيليين أو عناصر من
قوات الأمن.
إن اتلاف آلاف الدونمات الزراعية بدعوى أن الفلسطينيين أطلقوا من خلالها
النار، وهدم أحياء كاملة بدعوى حفر الأنفاق تحت عدد من البيوت، يُشكِّلُ مسَّاً
مبالغاً فيه بالسكان المدنيين، ولا يمكن اعتبار هذا المسّ قانونياً. إن هذه
السياسة تُشكِّلُ عقاباً جماعياً ضد أناس لا ترى اسرائيل نفسها، طبقاً لمعاييرها،
أنهم شركاء بشكل من الأشكال بالمسّ بالمواطنين الإسرائيليين أو قوات الأمن.
وعلى الرغم من هذه الخروقات للقانون الإنساني الدولي، فإن اسرائيل ترفض دفع
التعويضات للفلسطينيين الذين أتلفت قوات الأمن ممتلكاتهم.
وما تزال اسرائيل قوة محتلة في المناطق الفلسطينية، ولذا فمن الواجب عليها
الحفاظ على أمن وسلامة السكان الفلسطينيين ومراعاة احتياجاتهم. ومع أن اسرائيل
ملزمة أيضاً بالدفاع عن المواطنين الإسرائيليين وقوات الأمن، إلا أن هذا الدفاع
لا يمكن أن يتم من خلال مثل هذا المس الواسع بالسكان الفلسطينيين.