خلفية
حدود رفح - مصر
معطيات
اصدارات عن الموضوع
صور عن الموضوع
   
لتحميل الفيلم

قلقيلية، 29.8.2007: هدم واسع للبيوت وإذلال قاس للسكان

بتاريخ 29.8.2007، قرابة الساعة الرابعة صباحاً، داهمت قوة عسكرية كبيرة معززة بالجرافات حي النقار في مدينة قلقيلية. طبقا لما جاء في وسائل الإعلام، فقد كانت المداهمة تهدف إلى اعتقال مطلوبين ينتمون إلى الذراع العسكرية لحماس والذين كانوا يمكثون في المكان في ذلك الوقت، طبقا لمعلومات إستخبارية. وفور دخول القوة قامت بمحاصرة مجموعة من المباني في الحي. قرابة الساعة السابعة صباحا بدأ الجنود بالنداء على السكان من أجل إخلاء البيوت. في مقابل ذلك، سيطر جزء من القوة العسكرية على منزلين آخرين وجرى إخلائهما من السكان. وقد استعمل الجيش هذين البيتين لاحقا من أجل احتجاز المعتقلين والتحقيق معهم.

فور خروج جميع السكان من بيوتهم، أرغم الجنود جميع الرجال على خلع جميع ملابسهم، باستثناء الملابس الداخلية، أمام الجيران، النساء والأطفال. وقد أفاد بعض السكان لبتسيلم أنهم أرغموهم على الملأ بخلع ملابسهم الداخلية لغرض التفتيش. وقد أبلغ بتسيلم مواطنان اثنان رفضا خلع ملابسهما بأنهما ضُربا ضربا مبرحا بأيدي الجنود. لم يطلب من النساء خلع الملابس وجرى فحصهن بواسطة كاشف المعادن من قبل الجنود الذكور.

في إفادته لبتسيلم، وصف محمد ذياب، 57 عاما، أب لـ 8، الإهانة التي شعر بها خلال العملية:

"خلال الإخلاء، أمرني أحد الجنود والذي كان جالسا داخل جيب، بواسطة الميكروفون، بخلع جميع ملابسي أمام الجنود للتأكد من أنني لا أحمل شيئا.... وقد طلبت من الجنود عدم خلع ملابسي الداخلية، لكنهم صمموا. وقد اضطررت إلى فعل هذا أمام بناتي ونساء الجيران. لقد شعرت بالإهانة العميقة والمس بكرامتي. هذه ممارسات حيوانية، تعسفية وغير أخلاقية. هذا أيضا عار على الجنود الذين يعتبرون أنفسهم حماة القانون، النظام والإنسانية. وبعد أن خلعنا ملابسنا الداخلية، سمح لنا الجنود بارتدائها مرة أخرى...".

اقتاد الجنود السكان إلى التحقيقات من قبل جهاز الأمن العام (الشاباك) التي تمت في البيوت التي سيطروا عليها قبل ذلك. وقد تم اقتياد الرجال إلى مكان التحقيق، على بعد 50- 70 متر، وسط الشارع وهم يرتدون الملابس الداخلية فقط. ويتضح من الإفادات التي جمعتها بتسيلم أنه لم يُسمح لجزء من السكان بارتداء الملابس حتى مغادرة القوة للمدينة في ساعات المساء، وجرى التحقيق معهم من قبل الشاباك وهم يرتدون الملابس الداخلية فقط. في ختام العملية تم اطلاق سراح جميع السكان.

وحتى بعد خروج السكان من بيوتهم، استمر الجنود بالنداء بواسطة مكبرات الصوت بوجوب إخلاء البيوت على أساس الافتراض بأن المطلوبين ما يزالون يختبئون داخل البيوت. وعندما لم يخرج أي شخص بدأت الجرافات بهدم البيوت في مجموعة المباني المحاصرة. خلال بضع ساعات هدمت الجرافات سبع وحدات سكنية يعيش فيها 48 شخصا، من بينهم 17 قاصرا. خمس وحدات سكنية (بناية مكونة من طابقين وثلاث بيوت) جرى هدمها من الأساس وبصورة تامة وجرى هدم بيتين إضافيين بصورة جزئية ولم يعودا صالحة للسكن. ولم يُسمح لأي من السكان بإخراج أي شيء من البيوت وقد جرى هدمها مع محتوياتها.

هناء قبعة، 42 عاما وأم لستة، وصفت في إفادتها لبتسيلم هدم بيتها:
".. رأيت كيف تهدم الجرافات بيتي أمام عيناي. لقد تألمت كثيرا. انهارت جميع أحلامي في لحظة واحدة. لقد تهدم بيتي كله. ثلاث غرف، مطبخ، حمامات وصالون، مع كل ما تحتويه. سقطت على الأرض مغشيا علي. صرخت زوجة أخي عبد الله وطلبت المساعدة. عندما فتحت عيوني شاهدت ثلاثة جنود ومجندة يقفون من حولي. فحصت المجندة نبضي وطلبت مني التنفس. طلبت الذهاب إلى المستشفى من أجل الحصول على علاج طبي، لكنهم لم يسمحوا لي".

وقد اتضح فيما بعد أن المعلومات التي كانت بحوزة الجنود كانت خاطئة حيث لم يتواجد أي شخص في البيوت التي تم هدمها.
خلال عمليات الهدم، قامت بعض الشباب بإلقاء الحجارة والقناني الحارقة تجاه الجنود الذين ردوا بإطلاق الرصاص "المطاطي" والغاز المسيل للدموع وسببوا في إصابة حوالي 30 شابا بجروح. قرابة الساعة السابعة مساء غادرت القوة العسكرية المدينة.

التحليل القانوني

خلال العملية في قلقيلية، انتهك الجنود بصورة صارخة واحدا من المبادئ الأساسية في قوانين الاحتلال، والمقنن في البند 27 من اتفاقية جنيف الرابعة:"من حق المحميين [سكان المنطقة المحتلة] في جميع الأحوال احترام أبدانهم، كرامتهم، حقوقهم العائلية، عقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. يجب معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد بالعنف، وضد الإهانات وفضول الجماهير".

إن تعرية السكان لغرض التفتيش هي خطوة متطرفة ومذلة. وحتى لو كانت وراء هذا القرار اعتبارات أمنية مشروعة، وفي مقدمة ذلك الخشية من إخفاء أسلحة في ملابسهم، ليس من شأن هذا تبرير الطريقة التي تم بها الأمر. على ضوء واجب الحفاظ على كرامة السكان المحميين التي تقع على عاتق إسرائيل، كان يتوجب على الجنود القيام بهذا الفحص بطريقة محتشمة بقدر ما تتيحه الظروف وفي كل الأحوال ليس على الملأ كما حصل من الناحية الفعلية. علاوة على ذلك، لا يوجد أي مبرر أمني يبرر احتجاز المعتقلين وهم يلبسون الملابس الداخلية بعد أن تم تفتيشهم، ولا حتى تسييرهم في الشارع على هذه الشاكلة ولا التحقيق معهم من قبل جهاز الشاباك وهم يلبسون الملابس الداخلية فقط.

إن قوانين الاحتلال في القانون الإنساني الدولي تحمي أيضا ممتلكات السكان المحميين. إن البند 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، الذي يحظر على الدولة المحتلة هدم الممتلكات في المنطقة المحتلة، يعترف بحالة شاذة واحدة بالنسبة لهذا الحظر: عندما يكون هدم معين "مُستوجب تماما عن طريق العمليات العسكرية". ويتضح من هذا النص، ومن التفسير الذي أُعطي له على مدار السنين، أن الحديث يدور عن حالة واحدة شاذة تحدد سقفا عاليا نسبيا لتبرير هدم الممتلكات في المنطقة المحتلة. وكي يكون الأمر قانونيا، يتوجب أن يكون الهدم "مُستوجب تماما" من ناحية العملية العسكرية.
بالإضافة إلى ذلك، كما جاء في التفسير الرسمي للصليب الأحمر الدولي لهذا البند، فإن الدولة المحتلة التي تستند إلى هذه الحالة الشاذة مُلزمة "بالحفاظ على النسبية" ما بين الفائدة العسكرية المتوقعة من الهدم وبين الضرر الذي يلحق بالمدنيين. إن هذا الواجب يقع على عاتق إسرائيل استنادا إلى تعليمات أخرى في القانون الإنساني الدولي والقضاء الإداري الإسرائيلي.

حتى لو كانت العملية في قلقيلية مستوفية لتعريف "العملية العسكرية" التي يتناولها البند 53 من ميثاق جنيف، هناك اشتباه في أن الهدم لم يكن "مستوجبا تماما" في الملابسات. ومن بين ذلك، هناك اشتباه في أن 1) مستوى اليقين بخصوص المعلومات الإستخبارية حول تواجد المطلوبين في البيوت التي تم إخلاؤها لم يكن عاليا بصورة كافية بحيث يبرر العمل المتطرف إلى هذا الحد؛ 2) قبل هدم البيوت، لم يتم فحص وسائل أخرى، معقولة لكنها أقل ضررا والتي كان يمكن لها أن تُرغم المطلوبين، لو كانوا حقا قد اختبئوا في البيوت، على الاستسلام؛ 3) عدم وجود تناسب لائق ما بين الضرر البالغ الذي لحق بالسكان وبين الفائدة المتوقعة من اعتقال المطلوبين.

في كل الأحوال، فإن عبئ الإثبات بأن الهدم كما وقع كان حقا "مستوجبا تماما" يقع على الدولة المحتلة. على الرغم من هذا، فقد امتنعت سلطات الجيش لغاية الآن عن التعاطي بأي شكل مع العملية ونتائجها الهدامة. علاوة على ذلك، فإن الموقع الرسمي للجيش الذي يعلن بصورة جارية تقريبا عن أي عمل ذي طابع أمني يقع في الضفة الغربية، لم يكلف نفسه مطلقا بالإشارة إلى هذه العملية في قلقيلية.
وقد توجهت بتسيلم إلى النائب العسكري العام وطالبته بإصدار الأوامر إلى الشرطة العسكرية للتحقيق من أجل استبيان ملابسات الحادث. وطالبت بتسيلم على وجه الخصوص التحقيق في الإذلال القاسي التي تعرض له السكان الذين تم إخلاؤهم والاشتباه في أن بعضهم قد تعرض للضرب من قبل الجنود، وكذلك الاشتباه بالهدم غير القانوني للممتلكات الخاصة بخلاف تعليمات القانون الإنساني الدولي.

بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن نتائج هذا التحقيق، فقد طالبت بتسيلم النائب العسكري العام بإصدار أوامره لتعويض السكان عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بممتلكاتهم على الرغم من أنه لم تكن لهم أي علاقة بالمشتبه بهم الذين أراد الجنود اعتقالهم.