انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في المواجهات الفلسطينية الداخلية

تم النشر في: 
1.1.11

خلال العام 2007 وحوله كان هناك صراع عنيف بين الحركات الفلسطينية فتح وحماس، خاصة في قطاع غزة. وقد وصل هذا الصراع الى ذروته في شهر حزيران 2007 عندما تسنمت حماس الحكم في قطاع غزة. في العام 2008 قلت حدة الصراع لكنه لم ينته بعد بصورة تامة. في اطار الصراع تفاقمت انتهاكات حقوق الإنسان بحق الفلسطينيين من قبل الفلسطينيين، من ناحية حجمها وكذلك خطورتها.

في العام 2007 قتل في اطار هذا الصراع 353 مواطن فلسطيني، 349 منهم في قطاع غزة وأصيب الالاف بجراح. ويتضح من معطيات بتسيلم أن 86 قتيلا على الأقل كانوا من المارة - من بينهم 23 ولداً – لم يشاركوا في القتال وأصيبوا خلال المعارك التي دارت في الشوارع بين المسلحين أو من النيران التي أطلقت في المظاهرات. حوالي 300 من مجموع القتلى قُتلوا في النصف الأول من السنة، غالبيتهم العظمى في قطاع غزة (160 قتيلا في شهر حزيران فقط). وقد وقعت هذه الحالات خلال المواجهات المسلحة بين أفراد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية الذين ينتمون عادة لفتح ويدينون بالولاء لرئيس السلطة، محمود عباس، وبين المليشيات المسلحة التابعة لحماس، وفي مقدمتها "القوة التنفيذية" التي تعمل من قبل وزارة الداخلية و"كتائب عز الدين القسام".

في العام 2008 قتل 18 فلسطينيا في اطار هذه المواجهات، كلهم في قطاع غزة. من بينهم 15 شخصا قتلوا في حادث واحد في آب خلال تبادل لاطلاق النار مع الشرطة التي وصلت لاعتقال مطلوبين من أبناء عائلة حلس.

يتضح من التقارير في وسائل الإعلام والتحقيقات الخاصة بالمنظمات الفلسطينية والعالمية لحقوق الإنسان أنه في الأسابيع التي سبقت سيطرة حماس على أجهزة الأمن في قطاع غزة، قامت عناصر المليشيات المسلحة التابعة للحركة بخطف عدد من قيادات الأجهزة وإعدامهم بدون أي إجراء قضائي. وهناك بعض الأفراد من منتسبي هذه الأجهزة الذين اختطفتهم حماس وحققت معهم تحت التعذيب. أحد أنماط العمل الخطيرة التي صاحبت موجة الخطف كانت إطلاق النار " عقابا" على أرجل المختطفين قبل إطلاق سراحهم.

عندما استكملت حماس سيطرتها على أجهزة الأمن في قطاع غزة توقفت معارك الشوارع بصورة تامة تقريبا. ومع هذا، فإن الحكومة الفعلية برئاسة رئيس الحكومة المُقال، إسماعيل هنية، تفرض منذ ذلك الوقت نظاما قمعيا ضد منتقديها بشكل عام وضد الأشخاص المحسوبين على حركة فتح بشكل خاص. يتجسد هذا القمع من بين ما يتجسد من خلال الاعتقالات العشوائية التي تقوم بها "القوة التنفيذية" كل يوم. وتستمر هذه الاعتقالات بصورة عامة لعدة أيام وتنتهي دون تقديم لوائح اتهام. وقد جمعت منظمة أمنستي انترناشيونال إفادات كثيرة من سكان قطاع غزة الذين اعتقلوا من قبل "القوة التنفيذية"، وتضمنت الإبلاغ عن التنكيل بالمعتقلين واستعمال التعذيب.

بالاضافة إلى ذلك، يقوم أفراد "القوة التنفيذية" في أحيان متقاربة باقتحام بيوت المواطنين بصورة عنيفة في محاولة للعثور على الوسائل القتالية التي بحوزة المعارضة. إلى جانب ذلك، قامت هذه الميليشيات المسلحة بتفريق عدد من المظاهرات الاحتجاجية التي جرت في أنحاء غزة في الاشهر الاخيرة من عام 2007 خلال استعمال القوة المفرطة. الحدث الأخطر من هذا النوع كان ما وقع يوم 12.11.2007، في إطار التظاهرة التي نظمتها حركة فتح في مدينة غزة إحياء لذكرى ياسر عرفات التي أسفرت عن مقتل سبعة متظاهرين، من بينهم ولد عمره 12 عاما.

في المقابل، في الفترة التي سبقت سيطرة حماس على الأجهزة الأمنية وحتى قبل ذلك، مارست المليشيات المسلحة المحسوبة على حركة فتح في الضفة الغربية، وفي مقدمتها "كتائب شهداء الأقصى"، حملات انتقامية ضد الشخصيات والمؤسسات المحسوبة على حماس. وعلى غرار طابع الوقائع في غزة خلال هذه الفترة، فقد اشتملت هذه الحملات على عمليات الخطف والإعدامات، إضافة إلى حرق المحال التجارية ومؤسسات الزكاة المقربة من حماس. عشية نهاية شهر حزيران 2007 قلت وتيرة هذه الحالات، غير أن الشهور التي تلت ذلك شهدت هجمات متقطعة، خاصة في محافظة نابلس. في الأسابيع التي مرت قبيل سيطرة حماس على أجهزة الأمن في غزة وبعد ذلك فورا، امتنعت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، المسئولة عن تطبيق القانون، عن التدخل في الممارسات التي قامت بها العناصر المحسوبة على المليشيات المسلحة في الضفة الغربية، وبضمن ذلك امتناع أجهزة الأمن عن فتح تحقيقات وتقديم المشتبه بهم بتنفيذ الهجمات للعدالة.

بالاضافة الى ذلك، فقد نفذت قوات الأمن التابعة للسلطة في الضفة الغربية، وفي مقدمتها "الأمن الوقائي"، خلال شهر حزيران 2007 موجة من الاعتقالات الجماعية لأنصار حماس، للاشتباه ظاهرا بمحاولة تفعيل فرع لـ"القوة التنفيذية" في مناطق الضفة الغربية. ورغم استمرار الاعتقالات على هذه الخلفية حتى في الشهور التالية، إلا أن حجمها تناقص. ويتضح من الأبحاث التي قامت بها أمنستي انترناشيونال والمجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان أن غالبية الاعتقالات التي تتم بحق أشخاص محسوبين على حماس تتم من باب الروتين، من خلال الخرق الفظ لتعليمات قانون الإجراء الجنائي الفلسطيني الذي يرتب هذا الموضوع (بما في ذلك الرقابة على المعتقل من قبل النيابة العامة خلال 24 ساعة، المثول أمام القاضي لتمديد الاعتقال خلال 72 ساعة، الحق باستشارة محام دون تأجيل وما شابه). إن حقيقة إطلاق سراح الغالبية الساحقة من أنصار حماس دون اتهامهم بأية جناية تقوي الاشتباه بأن الاعتقالات أصلا كانت تعسفية ولم تنبع من اشتباه مُحقق ضد المعتقلين بل من اعتبارات سياسية مرفوضة. علاوة على ذلك، فقد أبلغ عدد من المعتقلين هاتين المنظمتين، وكذلك بتسيلم، أنهم وقعوا ضحايا للتنكيل والتعذيب خلال اعتقالهم.

في نهاية شهر آب 2007، أعلن رئيس حكومة الطوارئ في السلطة، سلام فياض، أن وزارة الداخلية الفلسطينية قررت إغلاق 103 مؤسسات دينية، تربوية ومؤسسات في مجال الصدقات مقربة من حركة حماس. وقد ربط رئيس الحكومة السبب الذي يقف من وراء هذا القرار بإدارة هذه المؤسسات بما يتنافى مع قانون الجمعيات الفلسطيني. ومع هذا، وعلى خلفية التوقيت الذي أتخذ فيه القرار وطابعه الشمولي، وعلى غرار ظاهرة الاعتقالات الجماعية، ثمة اشتباه بوجود اعتبارات سياسية مرفوضة.

يعترف القانون الإنساني الدولي بعدد من القواعد الأساسية التي تسري على كل دولة، منظمة أو أشخاص يشاركون في صراع مسلح غير دولي. ومن بين ما تتضمنه هذه القواعد الحظر التام على احتجاز الرهائن، الإعدام دونما محاكمة وممارسة التعذيب. إن هذه الأفعال تُشكل جرائم حرب وتُحمل جميع الضالعين فيها مسئولية جنائية شخصية. يتوجب على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحكومة حماس في غزة التحقيق في الاشتباه بوقوع جرائم حرب كهذه وتقديم المسئولين للمحاكمة. إلى جانب ذلك، يتوجب على السلطة الفلسطينية وكذلك حكومة حماس احترام المبادئ العرفية الأخرى المقننة في أحكام حقوق الإنسان الدولية، وبضمنها حظر المس العشوائي بحرية الإنسان.