صيف 2017: عزل الأحياء الفلسطينية في الخليل يتعمّق جرّاء فرض قيود جديدة على حركة الفلسطينيين

تم النشر في: 
20.7.17

منذ منتصف التسعينات ينفّذ الجيش سياسة الفصل والتمييز في قلب مدينة الخليل. ضمن ذلك أغلق الجيش شوارع رئيسية في المنطقة أمام حركة المرور الفلسطينية – بعضها بشكل تامّ وفي بعضها الآخر يُسمح عبور المشاة فقط. وكما سيتمّ التفصيل أدناه، رغم هذا الواقع القاسي، قرّر الجيش في شهر أيار 2017 مزيدًا من التشديد في القيود، الصارمة أصلاً، المفروضة على حركة الفلسطينيين.

وقد أدّت هذه السياسة إلى انهيار وسط المدينة، الذي كان بمثابة مركز تجاري يؤمّه سكّان المنطقة، وإلى رحيل الآف من سكانه. اليوم، وسط المدينة شبه مهجور والسكان الّذين بقوا هناك يعانون من الاعتداءات والمضايقات اليوميّة من جانب أفراد قوّات الأمن والمستوطنين الذين انتقلوا للعيش هناك تحت حمايتهم. المسّ الخطير بعشرات الآلاف من الفلسطينيين، والذي يشكّل عقابًا جماعيًا، لا يتيح لهم إدارة حياتهم على نحوٍ معقول، بل ويحوّل حياتهم إلى جحيم لا يُطاق. بهذه الطريقة تدفع إسرائيل الفلسطينيين من مركز المدينة عبْر سياسة "الترانسفير الهادئ" والمتواصل.

إطالة جدار الفصل والتمييز في شارع السلايمة

شارع السلايمة هو أحد الشوارع الرئيسية التي يحظر الجيش فيها حركة المركبات الفلسطينية، وهو الشارع الرئيسيّ لحيّ فلسطينيّ يحمل الاسم نفسه. لهذا الشارع والذي يؤدّي إلى الحرم الإبراهيمي، مدخلان. نُصب فيهما حاجزان: من الغرب حاجز المخبز "المافياه" ومن الشمال حاجز "سفساليم".

مع مرور السنين غيّر الجيش من حين لحين بُنية حاجز "المافياه" والقيود التي يفرضها على عبور الفلسطينيين منه. ففي عام 2012، نصب الجيش على امتداد الشارع جدارًا يقسمه إلى قسمين: شارع رئيسيّ معبّد خُصّص لليهود فقط، وسُمح فيه بمرور المركبات والمُشاة، ومسار ضيّق وغير ممهّد ينتهي بدرج خصّصه الجيش لعبور المشاة الفلسطينيين. في شهر آذار عام 2013 ألغى الجيش الفصل، وذلك في أعقاب شريط مصوّر نشرته منظمة بتسيلم وثّقت فيه رجال شرطة حرس الحدود وهم يوضّحون أنّه يُسمح لليهود فقط بالمرور في القسم الرئيسيّ والمعبّد من الشارع، لكنّ الجيش أبقى الجدار على حاله.

خارطة جدار الفصل والتمييز في شارع السلايمة، اضغطوا هنا لمشاهدة الخارطة بحجم اكبر

في كانون الثاني عام 2015 أعاد الجيش العمل بنظام الفصل في الشارع، ومنذ ذلك الوقت وهو يمنع الفلسطينيين من العبور من القسم المعبّد من الشارع فهو مخصّص للمستوطنين اليهود. أمّا سكّان الحيّ الفلسطينيون فيوجّههم الجيش إلى طريق جانبيّة ضيّقة وغير ممهّدة، ويظهر هذا مصوّرًا في شريط آخر أعدّته منظمة بتسيلم.

في شهر أيار 2017 عمّق الجيش الفصل عندما أتمّ بناء جدار يغلق في وجه الفلسطينيين مقطعًا إضافيًّا من الشارع يؤدّي إلى حيّ "غيث"، ونصب عند نهاية الجدار الجديد بوابة مقفلة. في البداية عُيّن في المكان شرطي من أفراد حرس الحدود كان يفتح البوابة لسكّان الحي الذين أرادوا الدخول أو الخروج منها. لكن بعد يومين أقفل الجيش البوابة، وأبقاها مقفلة لمدّة ثلاثة أيام متواصلة. أبلغ ضابط من شرطة حرس الحدود بعض سكان الحي الذين تجمّعوا عند البوابة أنّها ستكون مغلقة طوال الليل، من منتصف الليل حتى الساعة 6:00 صباحًا، وأنّه من الساعة 6:00 صباحًا وحتى منتصف الليل سيأتي لفتحها أفراد شرطة حرس الحدود الواقفين عند حاجز "المافياه" القريب، كلّما تجمّع عدد كافٍ من الناس، وفق تقديرهم.

من الإفادات التي قدّمها سكّان الحي لمنظمة بتسيلم تبيّن أنّه لا يتمّ تطبيق الإجراء الموصوف أعلاه ايضاً: فمثلاً، من 15 إلى 21 حزيران كانت البوابة مقفلة طيلة الوقت، ولم يسمح أفراد الشرطة لأحد بالعبور منها. ومنذ ذلك الوقت تبقي الشرطة البوابة مفتوحة في بعض الأيام لمدّة ساعات طويلة بحيث يمرّ منها الناس بحرّية، ولكن في أيام أخرى لا تسمح الشرطة بالعبور سوى لساعات قليلة. أي أنّ إغلاق البوابة وفتحها يتمّ على نحوٍ تعسّفي، ما يُبقي السكّان في حالة من اللايَقين الدائم فلا يعلمون هل سوف يتمكنون من العبور من هناك أم لا. المسار البديل الذي يُجبَر الناس على سلوكه عندما تكون البوابة مغلقة يطيل طريقهم بدقائق كثيرة، كما أنه يمرّ في أزقّة معتمة وأدراج كثيرة بحيث أنه صعب للمشي ومحفوف بالمخاطر في ساعات الليل. (لقراءة الافادات).


توثيق المسار البديل الذي يضطر السكان لاستخدامه عندما تكون البوابة مغلقة. لمشاهدة التوثيق الكامل للمسار البديل اضغطوا هنا.

منع دخول المشاة من الفلسطينيين إلى حيّ وادي النصارى، من جهة الجنوب

وادي النصارى والحريقة وجبل جوهر هي أحياء فلسطينيّة في الجهة الجنوبيّة من مدينة الخليل، ويبلغ تعداد سكّانها نحو 45 ألف شخص. بجانب هذه الأحياء أقيمت عام 1972 مستوطنة كريات أربع، والطريق من المستوطنة إلى الحرم الإبراهيمي يمرّ من الشارع الرئيسيّ الذي يربط الأحياء الثلاثة المذكورة، ويسمّيه الجيش "مسار المصلّين". في عام 2002 أنشأ الجيش جدارًا طوله 300 متراً فصل حيّ وادي النصارى عن الشارع، وذلك بعد أن قتل فيه فلسطينيّون 12 من أفراد قوّات الأمن. منذ ذلك الوقت يمنع الجيش على الفلسطينيين العبور من ذلك الجزء من الشارع، ويوجّههم عوضًا عن ذلك إلى أرض صخريّة محاذية له.

في عام 2002، نصب الجيش بوابة فصلت حي وادي النصارى عن حيّ جبل جوهر وحيّ الحريقة. بدايةً حظر الجيش تماماً عبور الفلسطينيين من البوابة. بعد مرور حوالي عام، بدأ بالسماح بعبور الفلسطينيين سيرًا على الأقدام، وفي عام 2014 أصدر تصاريح عبور للمركبات فقط لمائة من سكّان هذه الأحياء. في أعقاب موجة العنف التي اندلعت في نهاية عام 2015 ألغيت أيضًا هذه التصاريح، ومنذ ذلك الوقت يُسمح للفلسطينيين بالمرور من هذه البوابة فقط سيرًا على الأقدام. أحيانًا، يقف هناك جنود في عطلة نهاية الأسبوع والأعياد اليهوديّة ويفرضون قيودًا على حركة المشاة.

في 22 أيار 2017 نصب الجيش جنودا على البوابة وبدأ بمنع الفلسطينيين من عبور هذه الطريق حتّى سيرًا على الأقدام ايضاً. وابتدأ من نهاية شهر حزيران، يمنع ويسمح الجيش عبور المشاة الفلسطينيين من حين الى اخر وبشكل عشوائيّ. لا يعلم سكان المنطقة متى يسمح لهم العبور ومتى لا يسمح. عندما يحظر العبور يُجبر السكان على سلوك طريقً التفافيّة يبلغ طولها حوالي ثلاثة كم، رغم أن بعضهم يسكن على بُعد نحو مائتي متر فقط من البوابة.

عزّية عز الدين، أرملة تبلغ من العمر 70 عامًا، من سكان حيّ وادي النصارى، روت في إفادة قدمتها لباحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في تاريخ 22.5.17، عن جنديّ اعترض طريقها عند عودتها من زيارة لابنتها المتزوجة في حيّ جبل جوهر كما هو موثّق في شريط الفيديو أعلاه::

عزّية عز الدين، 70 عامأقيم في حيّ وادي النصارى مع أبنائي الستّة المتزوجين. لديّ ابنة متزوجة تسكن في حيّ جبل جوهر. لكَي أقوم بزيارتها عادةً ما أخرج من المنزل وأمشي إلى البوابة الحديديّة المقفلة المنصوبة عند ناصية الشارع بجانب مستوطنة كريات أربع (حيّ الحريقة). من هناك أركب سيارة أجرة تقلّني إلى بيتها.

اليوم، خرجت برفقة كنائني الثلاث لزيارة ابنتي. مشينا حتّى البوابة الحديديّة ومن هناك ركبنا سيارة أوصلتنا إلى منزلها. في ساعات ما بعد الظهر، في طريق عودتنا إلى المنزل، وصلنا مجددًا إلى البوابة الحديديّة. وقف هناك جنود، ولم يكن ذلك الأمر شاذّا. لكن ما فاجأني أنّ أحدهم قال لي بأن أعود إلى المكان الذي جئتُ منه. رفضت وأوضحت له بأنّي أعود إلى منزلي، وهو قريب من هناك، وأشرت إلى منزلي. رفض الجنديّ السماح لي بالمرور وبدأ يصرخ عليّ وعلى كنائني. كان الطقس حارًّا وفكّرت في الطريق الطويلة التي سنضطر إلى قطعها سيرًا على الأقدام إذا لم يسمحوا لنا بالعبور، وهي أطول بثلاث أو أربع مرّات من الطريق المباشرة - حيث نمرّ من بين المنازل في جبل جوهر، لنصل إلى آخِر الطريق المسدودة بالمكعبات الاسمنتيّة في حيّ جابر، ومن هناك إلى الطريق الصاعدة حتّى المنزل. واصل الجنديّ صراخه علينا بأن نغادر المكان. رفضت وجلست على المكعب الاسمنتيّ بجانب البوابة وقلت له إنّي لن أغادر المكان.

جلست هناك لمدة خمس دقائق، بعد ذلك يبدو أنّ الجندي أدرك أني لن أتنازل فوافق على مرورنا من البوابة، لكنّه لم يسمح لنا بالمواصلة مباشرة إلى منازلنا وإنّما أمرنا في المنتصف بالنزول والمتابعة عبْر حقل الأشواك والمرور بين منازل أخرى في الحيّ. مع ذلك، كان هذا أسهل عليّ من طريق جبل جوهر. مشيت مع كنائني بين المنازل إلى أن وصلنا إلى منزلنا. أنا مسنّة وهذا الوضع كلّه ليس سهلاً بالنسبة إليّ.

الشارع الرئيسي في حي النصارى، المخصص للمستوطنين فقط. من اليمين: الجدار التي يطلب من الفلسطينيين السير منها الى حقل الاشواك. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. حزيران 2017.
الشارع الرئيسي في حي النصارى، المخصص للمستوطنين فقط. من اليمين: الجدار التي يطلب من الفلسطينيين السير منها الى حقل الاشواك. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. حزيران 2017.

جهاد حسين لافي النجار، تبلغ من العمر 38 عامًا، من سكان وادي النصارى، روت في إفادة قدّمتها لباحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في تاريخ 22.06.17:

جهاد النجار، الصورة بلطف من منهاأقيم مع زوجي وكلّ أسرته في حيّ وادي النصارى. منذ أيار 2017 ونحن نعاني لأنّنا ممنوعون من عبور البوابة القريبة من حيّ الحريقة. الجنود الذين يقفون هناك يمنعون العبور في الطريق الواصلة بين الأحياء، ولا خيار لدينا إلاّ الالتفاف عبر طرق طويلة. أختي هالة وأقاربي يقيمون في جبل جوهر، وهذا الحاجز يفصل بيني وبينهم. في كلّ مرّة أزورهم يجبرني الجنود الواقفون عند البوابة على القيام بلفّة تصل مسافتها إلى 3 كم. قبل شهر مثلاً، قالت أختي إنّها ستأتي لزيارتي. وفيما كنت في انتظارها اتصلت وأبلغتني أنّ الجنود لا يسمحون لها بالعبور إلى منزلي الذي يبعد 500 متر عن هذه البوابة. نزلت إلى هناك على الفور وحاولتُ أن أقنع الجنديّ بأن يسمح لها بالعبور. أوضحت له أنّ منزلي قريب جدًا. عندما سألته لماذا لا يسمح لها بالعبور أجاب أنّ ذلك سببه الأطفال الذين يرشقون الحجارة على المستوطنين في كريات أربع. بعد نقاش دام عشر دقائق، نجحت في إقناعه بالسماح لي بالانتقال إلى جهتها لأتمكن من مرافقتها في الطريق البديلة الطويلة.

هذا الحاجز يزيد من صعوبة حياتنا، ويعرقل كلّ ما نريد فعله. فإذا أردنا إجراء ترميم من الصعب نقل المعدّات. أحيانًا تنقطع المياه عندنا ونضطر إلى شراء الماء في الصهاريج، ولكن بسبب الحاجز نحن مجبرون على سحب الصهاريج على طول الطريق أو التنسيق مع مكتب الارتباط الفلسطيني ليُسمح لمرّة واحدة بعبور السيارة. هذه هي حياتنا.

زهية محمود الرجبي، من سكان حي غيث، تبلغ من العمر 35 عامًا، متزوجة وأمّ لثلاثة أطفال، روت لباحثة بتسيلم الميدانية، منال الجعبري، في تاريخ 30.05.17:

نسكن عند مدخل حي غيث، بيتي يبعد فقط 30 مترًا عن حاجز "مافياه". في هذه المنطقة، القريبة من الحرم الإبراهيميّ، نعاني منذ سنوات من الحواجز التي تحيط بنا. في منطقة بيتي يوجد أربعة حواجز: "حاجز مافياه"، "حاجز 160"، "حاجز الصيدليّة" و"حاجز سفساليم".

يوم الخميس الموافق 4.5.17، عند المساء، فوجئنا بأفراد شرطة حرس الحدود وضابط من الإدارة المدنيّة وقد بدأوا في بناء تتمة الجدار الذي يقسم شارع السلايمة. نصبوا جدارًا يبلغ ارتفاعه 3 أمتار، وبوابة عند مدخل حيّنا. في البداية كان يقف هناك شرطيّ فتح لنا البوّابة في كلّ مرة، وبعد ذلك بدأوا بتقييدنا ضمن ساعات محدّدة. الضابط المسؤول عن المنطقة أبلغنا أن ساعات فتح البوابة ستكون من السادسة وحتّى منتصف الليل. قال إنّه في هذه الساعات علينا أن نضغط على زرّ كلّما وصلنا إلى هناك، فيأتي شرطيّ ويفتح لنا البوابة.

لكنّ ذلك لم يحدث. لم ينفّذ أفراد الشرطة هذه الإجراءات. قبل أسبوع مثلاً خرجت من الحيّ ظهرًا برفقة أفراد العائلة لتناول وجبة الإفطار الرمضانيّة في بيت أهلي. في طريق عودتنا، وصلنا إلى البوابة زهاء الساعة 22:40، وكانت مقفلة. التقينا هناك أسرة أخرى من حيّتا كانت واقفة تنتظر في المكان. طلبنا من الشرطيّ الذي كان واقفًا عند حاجز "مافياه" عند ناصية الشارع، أن يفتح لنا البوابة، لكنه قال إنه ليس ملزمًا بفتحها لنا في مثل هذه الساعة. جادلناه، لكنه أصرّ ولم يفتح. مرّت من جانينا سيارة تابعة لشرطة حرس الحدود وكان فيها ضابط. طلبنا منه أيضًا، لكنه تجاهلنا.

في النهاية اضطررنا للعبور من الطريق الالتفافيّة، ويصل طولها الى 500 متر تقريبًا، وكذلك فيها درج، مع أنّ البوابة الجديدة تبعد مسافة 30 مترًا عن منزلي.

القيود المفروضة على الحركة في البلدة القديمة تصعّب حياتنا كثيرًا. في رمضان، نعاني منها بشكل خاصّ، لأننا لا نستطيع أن نلبّي دعوات الأقارب أو دعوتهم لتناول وجبة الإفطار عندنا. أيضًا في رمضان العام الماضي حدث الشيء نفسه، لم يحضر أحد ممّن دعوناهم، وذلك بسبب الحصار الشديد والاجراءات الصارمة عند الحواجز الموجودة من حول منزلنا.

نائل فاخوري يزين الصوحون التي أعدها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 19.6.2017.
نائل فاخوري يزين الصوحون التي أعدها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 19.6.2017.

نائل راتب فاخوري، خزّاف، يبلغ من العمر 40 عامًا، أب لتسعة أولاد، من سكّان حيّ غيث، يتواجد منزله تماماً من وراء البوابة التي نصبها الجيش. روى في إفادة قدّمها لباحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في تاريخ 19.6.17:

أقيم في البلدة القديمة في الخليل، أمام حاجز "مافياه" الذي يفصل بيننا وبينه الشارع وحسب. لديّ سبعة أبناء، أكبرهم يبلغ 17 عامًا، وبنتان، الصغيرة، ميساء، تبلغ ثلاث سنوات. لديّ ورشة عمل لتصنيع الفخار في شارع الفحص، في القسم الجنوبي من مدينة الخليل.

قبل بضعة أسابيع، أضاف الجيش للجدار الفاصل في حيّنا، حيّ السلايمة/غيث، مقطعًا طويلاً من ثلاثين أو أربعين مترًا ويصل الجدار الآن حتى منزلنا. عند طرف الجدار الآخر نصبوا بوابة. في البداية أبقوها مفتوحة ثمّ صاروا يقفلونها.

الآن في الليل، عندما تكون البوابة مقفلة، يتسبّب هذا الأمر لي ولأسرتي ولجميع سكّان الحيّ هنا بمعاناة فعليّة. الشارع الرئيسيّ هو أقصر الطرق إلى الحرم الإبراهيميّ وإلى السوق; وفي رمضان تنشط حركة السكان طيلة المساء والليل- يخرج الناس لأداء الصّلاة، التسوق وتبادل الزيارات. لكي نخرج من منزلنا ونعود إليه نضطرّ الآن، مثل جميع المتواجدين في الحيّ، إلى القيام بلفّة طويلة بين الأزقة وعبر الدرج، وسحب كافّة المشتريات يدويًا. منذ أن أغلقوا البوابة تتردّد زوجتي كثيرًا في الخروج في ساعات الليل.

اعتدت أن أحضر معي إلى المنزل أدوات أعدّها لأبيعها للسكان الذين يقيمون في المنطقة. اعتدت إلى الآن أن أحضر البضاعة بالسيارة حتى حاجز 160، ثمّ تحميلها على عربة وسحبها حتى المنزل. لكن منذ أن أطالوا الجدار لا أستطيع القيام بذلك أيضًا. الآن أحتاج إلى مساعدة أبنائي لجر العربة بين الأزقة وفي طريق فيها عشرات الأدراج. أصل المنزل منهكًا خائر القوى. يقوم ابني بقطع هذه الطريق أكثر من مرة في اليوم. إذا استمروا في إغلاق البوابة سوف أضطرّ إلى التوقّف عن إحضار البضاعة إلى المنزل.

أربّي أيضًا بعض الأغنام، تحت منزلنا. منذ أن أقفلوا البوابة أمرّر العلف بنفس الطريقة- أحمّل العربة، وألفّ بين المنازل.

في العام الماضي دعوتُ أقارب عائلتي لوجبة إطار في رمضان. في ذلك اليوم أغلق الجيش الحواجز المنصوبة في الطريق إلى منزلنا: حاجز الصيدلية وحاجز 160، ولم يتمكّن أيّ من المدعوين من الحضور. اضطررنا إلى توزيع معظم طعامنا على الجيران. تعلّمتُ درسًا، ولم أخطّط لوجبة كهذه هذا العام، وترددنا كثيرًا في الاستجابة لدعوات الإفطار الرمضانيّة التي تقام خارج البلدة القديمة.

أصبحت حياتنا جحيمًا لا يطاق، لكن لا خيار أمامنا إلا البقاء هنا. هذا منزلنا، إنّه ملكُ لنا ولم نستأجره. لا أستطيع أن أسمح لنفسي بتركه والعيش بالإيجار في مكان آخر.

محمد كمال محمد السلايمة، 53 عامًا، من سكان حيّ السلايمة، متزوج وأب لثمانية أولاد، روى في إفادة قدّمها لباحثة بتسيلم الميدانية منال الجعبري في تاريخ 18.6.17:

محمد السلايمة مع احد اطفاله في منزلهم. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 18.6.2017.أسكن مع زوجتي وأولادي في حيّ السلايمة، أمام محطة شرطة الحرم الابراهيمي. نحن محاطون بالحواجز من جميع الجهات، ومضطرّون لعبورها يوميًا.

أنا وأبنائي نعمل في مجال صناعة الأحذية، في ورشة عمل عند مدخل منزلنا. هذا مصدر الدخل الوحيد للعائلة.

نعاني بشكل دائم عندما نكون في حاجة لنقل منتجات أو معدّات، سواء كانت أغراض أو أثاث أو مواد خام للعمل. يوقفنا افراد شرطة حرس الحدود عند هذه الحواجز بذرائع أمنية ويقومون بتفتيشنا. لا نستطيع الوصول مع سيارة الى البيت فنضطر لحمل الأغراض، بما في ذلك مواد خام للعمل لصناعة الأحذية، في عربة صغيرة.

منذ أن بنوا الإضافة للجدار ونصبوا البوابة تعمّقت أزمتنا. البوابة ضيّقة وعربتنا لا تمرّ منها. عندما تكون مفتوحة أضطر إلى تفريغ الأغراض خارج البوابة، وبعد ذلك أقلب العربة وأُدخلها من البوابة وهي فارغة، ومن ثمّ أعيد تحميل كل الأغراض عليها.

بالإضافة إلى ذلك، يقوم افراد الشرطة بإغلاق البوابة تمامًا في أيام الجمعة والسبت وفي كل مرة يحتفل المستوطنون بعيد أو يقيمون حفل زفاف في باحات الحرم الابراهيمي.

يوم الخميس فوجئنا حين وجدنا أنّ البوابة مغلقة تمامًا.

الآن لا أدري كيف سأُدخل المواد الخام، وكيف سأنقلها إلى ورشة العمل في منزلي. الطريق البديلة، من حيّ غيث، لا يمكن العبور منها مع العربة لأنها مليئة بالدرج، كما أنّ هذا يطيل الطريق بسبع مائة متر أو أكثر. وكذلك تخشى زوجتي وبناتي العبور من حيّ الغيث لأن الطريق هناك مظلمة، وأحيانا يتجول هناك المدمنون.

لا أدري كم من الوقت سننجح في الصمود هكذا، منقطعين عن العالم الخارجي وحتى عن أقاربنا. توقفنا حتى عن دعوة أقاربنا لتناول وجبة الافطار في رمضان، وأقارب العائلة لا يزوروننا خشية ألاّ يتمكّنوا من الوصول إلينا. نحن نحبّ أجواء شهر رمضان- الخروج لصلاة التراويح بعد الافطار، أو صلاة الفجر، أو الاستضافة أو قبول دعوة تناول وجبة الإفطار. لكن إغلاق المنطقة يمنعنا من فعل كلّ هذا.

نعيش مثل السجناء في سجن كبير. هذه الحياة لا تطاق، والوضع صار أصعب في أعقاب تشديد الإغلاق، والتدقيق في اجراءات التفتيش عند الحواجز وإغلاق الممر الموصل إلى منزلنا.

يغيظني أن منزلي أصبح سجنًا بالنسبة اليّ والى أفراد أسرتي بينما يتمتع المستوطنون وعائلاتهم بحريّة تامّة في الحركة والتنقل. إنّهم يمرّون بحريّة بسياراتهم ويتنزهون في باحات الحرم الابراهيمي، يقيمون هناك الأعراس والاحتفالات، يطلقون الموسيقى الصاخبة ولا يسمحون لنا بالنوم إلى حين الانتهاء من حفلاتهم والتي يمكن أن تستمر حتى ساعات الصباح.

كذلك، لم نعد قادرين على تزويج أبناءنا وبناتنا لعائلات من خارج المنطقة. هذه العائلات لا ترغب في تزويج أولادها من أشخاص يعيشون في منطقتنا، حتى لا يعيشوا المعاناة اليومية التي نعيشها فقط لأننا نسكن في هذه المنطقة بالذات.

قبل ثلاث سنوات، تركت أربع اسَر منازلها في المنطقة؛ وأنا أعتقد أن سلطات الاحتلال تصعّب علينا عمدًا وتحوّل حياتنا إلى جحيم بهدف تفريغ الحيّ من السكان الفلسطينيين.