الانتقال من بيت إلى بيت في الخليل: مهمّة شبه مستحيلة

تم النشر في: 
28.8.17

منذ منتصف سنوات التسعين يطبّق الجيش سياسة الفصل والتمييز في مركز مدينة الخيل. ضمن هذه السياسة أغلق الجيش شوارع رئيسية في المنطقة في وجه الفلسطينيين – بعضها أغلق تمامًا في وجههم، وبعضها يتاح فيه عبور المشاة فقط. شارع السهلة أحد الشوراع المسموح فيها عبور المشاة فقط، ويقع جنوبيّ الحرم الإبراهيمي. على جانبي الشارع، هناك حاجزان يفصل بينهما كيلومتر واحد فقط: حاجز 160 وحاجز الصيدلية (أبو ريش)..

في يوم الجمعة، 7.7.2017، استعدّ عبد الجابر حداد (26 عامًا، متزوّج وأب لطفلين) للانتقال مع عائلته من المنزل الذي يستأجرونه في حيّ جبل جوهر إلى منزل أوسع في شارع السهلة، في مبنىً يبعد فقط خمسة أمتار عن حاجز الصيدلية (أبو ريش).

نحو الساعة 12:00 وصل عبد الجابر وأبناء عمّته الثلاثة (شادي وفادي ونادي أبو سنينة) في شاحنة محمّلة بالأثاث والأغراض إلى الحاجز القريب من منزله الجديد. بعد تفريغ الشاحنة من الأثاث طلبوا من الجنود السماح لهم بعبور الحاجز. رفض الجنود طلبهم وقالوا إنّ عليهم نقل الأغراض عبْر حاجز 160، علمًا أنه أبعد بكثير عن المنزل.

اضطرّ الأربعة إلى تحميل الأثاث على الشاحنة مرّة أخرى، وانطلق عبد الجابر ومعه شادي إلى حاجز 160.

في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية في بتسيلم، منال الجعبري، في 7.8.2017، وصف عبد الجابر ما جرى له كما يلي:

عبد الجابر حداد (26 عام). تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 7.8.17.عندما وصلنا إلى حاجز 160، طلبنا من شرطة حرس الحدود أن يفتحوا لنا الحاجز لكي نُدخل الشاحنة، ولكنهم رفضوا السماح بنقل الأثاث في الشاحنة. أخذنا، أنا وشادي، نفرغ الشاحنة من الأثاث وننزله على الأرض، في حاجز الصيدلية، وأبقينا بعض الأغراض الصغيرة مثل القرَن والملابس حيث طلبنا من نادي وفادي أن ينقلاها عبْر البوّابة. بعد أن انتهينا أنا وشادي من تنزيل الأثاث على الأرض، وكان الأمر منهكًا حقًّا بسبب ثِقَل الوزن وشدّة حرارة الجوّ. لأجل نقل الأثاث ذهبت لمناداة نادر الرجبي، من سكّان حيّ السلايمة، إذ يملك عربة يجرّها حمار.

في هذه الأثناء نقل فادي ونادي الأغراض الصغيرة – مثل أواني المطبخ والقرَن والأغطية - عبْر بوّابة حاجز الصيدلية. في أثناء قيامهما بنقل الأغراض تطوّرت مشادّة كلاميّة بين أحد أفراد شرطة حرس الحدود ونادي، البالغ من العمر 19 عامًا.

شروق، زوجة عبد الجابر، كانت في المنزل الجديد تنتظر وصول الأثاث. في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية في بتسيلم، منال الجعبري، في 7.8.2017، روت شروق ما يلي:

المسافة بين حاجز 160 والمنزل تبلغ نحو كيلو متر واحد. الاطفال ساعدوا في نقل الأثاث، وكان الأمر شاقًّا ومنهكًا جدًّا.

عندما كنت في المنزل أرتّب ما وصل من الأثاث الذي نقله زوجي عبد الجابر وأبناء عمته، سمعت صراخًا. نظرت من النافذة فرأيت نادي في خضمّ مشادّة كلامية مع أحد أفراد شرطة حرس الحدود. كانا يصرخان ويشتمان أحدهما الآخر. رأيت أيضًا ابنتي ميار تأخذ بضعة قرَن وبعض الملابس من خلف باب الحاجز الدوّار وتضعها على الأرض. كذلك، رأيت شرطي حرس حدود آخر يأخذ الأغراض التي وضعتها ميار على الأرض ويُخضعها للفحص الإلكتروني في غرفة ضمن نطاق الحاجز. نادي وأفراد الشرطة الثلاثة الذين كانوا في الحاجز كانوا عصبيّين جدًا ويصرخون بعضهم على بعض.

شعرت أنّ الأمور آخذة في التدهور، فهرعت إلى حاجز 160، حيث كان زوجي هناك، وأخبرته بما يحدث. هرعنا أنا وزوجي عائدَين إلى حاجز الصيدلية، ومن بعدنا وصل نادر الرجبي مع عربته. كان كلّ من نادي وفادي في الحاجز يتجادلان مع أفراد الشرطة. وصلت إلى المكان سيّارتان ونزل منهما عدد من أفراد حرس الحدود، وفيهم ضابط. كبّل هؤلاء يدَي نادي واقتادوه إلى محطة شرطة الحرم الإبراهيمي، واستأنفنا نحن نقل الأثاث عبر حاجز 160. الشرطي الذي في الحاجز أعاد إلينا القرن والملابس التي كان قد أخذها من ميار.

في المساء، عندما أنجزنا نقل أغراض المنزل، اكتشفت أنّ جزءًا من الأواني قد تكسّر، وأنّ الملابس قد اتّسخت، وجزءًا من الأثاث قد تحطّم.

في محطة الشرطة، أغمي على نادي فنُقل في سيارة إسعاف إلى مستشفى عالية في الخليل، وهناك اتّضح أنه يعاني من الإنهاك؛ وبعد مضيّ بضعة ساعات تمّ إرساله إلى البيت.

ان سياسة الفصل والقيود المفروضة على الحركة، إلى جانب التنكيل والاعتداءات والمضايقات اليومية التي يمارسها أفراد قوّات الأمن والمستوطنون في مركز المدينة القديمة في الخليل، قد حوّلت الحياة هناك إلى جحيم لا يطاق، بل وأجبرت آلاف السكّان الفلسطينيين على النزوح من المكان. أنظمة السيطرة العسكرية وسياسة الفصل تُولّد أوضاعًا باطلة لا تُعقل، بحيث يصبح نقل أثاث وأغراض شخصية متعلّقًا بمزاج عناصر قوّات الأمن وإرادتهم التعسفية. هكذا، تصبح عملية بسيطة نسبيًا، كنقل بيت، مهمّة شبه مستحيلة لوجستيًّا وجسديًّا ونفسيًّا. إضافة إلى أنّها عملية تتطلّب بذل جهد كبير وتضيع خلالها الأغراض، هي تنطوي على مخاطر التورّط في مواجهة والتعرّض للعقاب.