بين 27.12.08 ولغاية 18.1.09 أدار الجيش هجوما على قطاع غزة سمي حملة "الرصاص المصبوب". وقد كان حجم المس بالسكان المدنيين في قطاع غزة غير مسبوق ووصل عدد الفلسطينيين الذين قتلوا إلى 1,389 شخصا، من بينهم 759 مدنيا لم يشاركوا في القتال، ومن بينهم 318 قاصرا عمرهم أقل من 18 عاما. وقد وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى أكثر من 5,300، من بينهم 350 مصابا بجروح بالغة. كما ألحقت إسرائيل ضررا بالغا بالبيوت السكنية، المباني الصناعية، القطاع الزراعي وكذلك البني التحتية الخاصة بشبكة الكهرباء، شبكة الصرف، المياه والصحة التي كانت على وشك الانهيار قبل الحملة. طبقا لمعطيات الأمم المتحدة، فقد هدمت إسرائيل أكثر من 3,500 بيتا سكنيا فيما بقي حوالي 20,000 شخصا بلا مأوى.
خلال الحملة أطلق الفلسطينيون صواريخ وقذائف هاون تجاه إسرائيل، بهدف صريح وهو المس بالمدنيين الإسرائيليين. وقد أسفرت عمليات الإطلاق عن مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين وأصيب العشرات بجروح. كما قتل داخل القطاع تسعة جنود، من بينهم أربعة نتيجة إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي. وقد أصيب أكثر من مائة جندي، من بينهم جندي أصيب بجراح بالغة وأصيب عشرون جنديا بجراح ما بين متوسطة- بالغة.
كمنظمة إسرائيلية، فإن بتسيلم تركز على أعمال إسرائيل ومسئوليتها عن المس بحقوق الإنسان، غير أنه صدرت عن حماس أيضا خلال الحملة انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي. إن نمط عمل حماس داخل التجمعات المدنية الفلسطينية ينعكس بلا شك على قانونية الهجمات التي قامت بها إسرائيل والتي سببت المس بالمدنيين. ومع هذا، ليس من شأن هذا شرعنة جميع العمليات التي قام بها الجيش الإسرائيلي بصورة جارفة خلال حملة "الرصاص المصبوب" أو الإثبات بأن حماس تتحمل وحدها المسئولية عن أي مس بالمدنيين.
بعد مرور سنة ونصف على الحملة، فإن هناك مناطق واسعة داخل قطاع غزة لم يتم ترميمها بعد. في شهر حزيران 2010 اتبعت إسرائيل تسهيلات معينة بخصوص القيود المفروضة على ادخال المنتجات الى القطاع. وما يزال ادخال مواد البناء خاضع لقيود صارمة ويسمح به فقط للمشاريع الخاضعة للاشراف الدولي. هذه القيود تمنع ترميم البيوت التي هدمت ولحق بها الضرر، وما يزال هناك أكثر من 20,000 شخص يسكنون باكتظاظ في شقق مستأجرة أو مخيمات أو في ضيافة اقارب من العائلة. كما تحول هذه القيود دون ترميم البنى التحتية التي أصيبت خلال الحملة. حوالي 90% من سكان قطاع غزة عانوا خلال الصيف الأخير من انقطاع الكهرباء لمدة تصل الى 12 ساعة يوميا. هذا الانقطاع في الكهرباء نابع من استهداف اسرائيل للبنى التحتية عندما أقدمت إسرائيل على قصف محطة توليد الكهرباء في القطاع في العام 2006 وكذلك خلال حملة الرصاص المصبوب.
وقد تفاقمت هذه الأزمة مؤخرا بصورة ملحوظة بسبب الخلافات التي اندلعت بين حماس والسلطة الفلسطينية حول المسئولية عن تمويل الوقود. إن انقطاع التيار الكهربائي يمس بصورة بالغة بمستوى العلاج الطبي في القطاع بسبب المس بالمعدات الطبية وتوفر العلاج. بالاضافة الى ذلك، فإن الجهاز الطبي يواجه صعوبة في العمل في أعقاب النقص في المعدات الطبية ولا يحظى الكثير من المرضى بالأمراض المستعصية بالعلاج الطبي الذي يحتاجونه. إن النقص في البنى التحتية يمس أيضا بتوفر المياه ومعالجة المجاري في القطاع. بالنسبة لحوالي 10,000 شخص في شمال قطاع غزة لا يوجد وصول إلى الماء المُسال فيما يسيل يوميا حوالي ثمانين مليون لتر من المجاري الخام والمجاري المعالجة جزئيا إلى المناطق المفتوحة.
ومع أن المس البالغ بالسكان المدنيين في قطاع غزة والضرر الكبير الذي لحق بالممتلكات لا يشكل بحد ذاته دليلا على أن الجيش الإسرائيلي انتهك القانون الإنساني الدولي، إلا أن التحقيقات التي قامت بها بتسيلم خلال الحملة وبعدها والمعلومات التي توفرت من مصادر أخرى كثيرة تثير الشكوك بخصوص تصريحات الجهات الرسمية بأن الجيش عمل حسب القانون. إن الاشتباهات بخصوص انتهاك القانون الإنساني الدولي لا تتناول فقط تصرفات جندي هنا أو هناك بل تتناول أساسا موضوع السياسة. في جزء من الحالات هناك اشتباه راسخ بأن المس بالمدنيين نبع من انتهاك مبادئ التمييز والتناسب التي تهدف إلى ضمان بقاء المدنيين خارج دائرة القتال.
لقد انتهكت منظمات فلسطينية مسلحة القانون الدولي عندما أقدمت على إطلاق صواريخ القسام الى التجمعات السكنية داخل إسرائيل وشكلت خطرا على حياة السكان من خلال اطلاق النار على الجنود من داخل الأحياء السكنية وقامت بتخزين السلاح في مبان مدنية. بالاضافة الى ذلك، فقد وثقت منظمات فلسطينية ودولية ما لا يقل عن 18 حالة تم فيها اعدام أشخاص متهمين بالتعاون مع إسرائيل بلا محاكمة من قبل قوات الأمن التابعة لحماس وبأيدي ملثمين يبدو انهم على علاقة بحماس. 13 من بينهم كانوا من المعتقلين الذين هربوا من السجن المركزي في غزة بعد أن قصفته إسرائيل خلال الحملة.
بناء على ذلك، يقع على الطرفين واجب القيام بتحقيق مستقل وموثوق. ولا يمكن لإسرائيل الاكتفاء بالتحقيقات الميدانية الداخلية أو بتحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية القليلة التي تتركز في عدد مقلص من الحوادث ومسئولية القادة من ذوي الرتب الدنيا نسبيا. إن مثل هذا التحقيق المستقل مستوجب حسب القانون الدولي، لكنه ضروري أيضا بحكم حق الجمهور في معرفة ما جرى باسمه في قطاع غزة.
إن تحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية تتجاهل السياسة التي تم اتباعها خلال الحملة ومسئولية صناع القرار على المستوى السياسي. وهكذا، حتى لو قادت هذه التحقيقات الى تقديم لوائح اتهام ضد الجنود، فإن لوائح الاتهام ستقدم ضد المستويات الدنيا أو ضد الضباط الذين كانوا ضالعين في النشاط الميداني بينما لا يطال ذلك المسئولين عن بلورة السياسة وسيبقون بلا حساب جراء الأفعال.
عند انتهاء الحملة توجهت منظمات في مجال حقوق الإنسان ، وبضمنها بتسيلم، إلى المستشار القضائي للحكومة وطالبت ببناء جهاز تحقيق مستقل لفحص سلوك الجيش خلال الحملة، إلا أن الطلب رُفض. في شهر آذار 2009، عاودت المنظمات التوجه من جديد حول الموضوع، غير أنها جوبهت بالرفض هذه المرة أيضا. بعد نشر تقرير جولدستون ، في أيلول 2009، تم نشر دعوة مشتركة لإجراء تحقيق إسرائيلي، مستقل وناجع.
لغاية اليوم لم يتم بناء جهاز تحقيق مستقل يتمتع أيضا بصلاحية التحقيق في مسئولية صناع القرار على المستويين السياسي والعسكري. طبقا للتقرير بخصوص التحقيق في حملة "الرصاص المصبوب" والذي نشر في اذار 2010 من قبل مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، يتضع ان النيابة العسكرية امرت بفتح 52 تحقيقا من قبل شرطة التحقيقات العسكرية. ومن المعلوم أنه يوجد هناك 20 تحقيقا من قبل شرطة التحقيقات العسكرية عن أحداث مختلفة تنطوي على اشتباه بأن الجنود في الميدان عملوا على النقيض من تعليمات الجيش. لغاية الآن تم تقديم أربعة جنود للمحاكمة جراء ثلاثة أحداث ترتبط بحملة الرصاص المصبوب. في الحالة الأولى تمت إدانة جندي بسبب سرقة بطاقة اعتماد وحكم عليه بالسجن لمدة 15 شهرا، من بينها سبعة أشهر ونصف سجن فعلي وخفض رتبته من رتبة رقيب الى رتبة جندي أول. في الحالة الثانية تم تقديم لائحة اتهام ضد جنديين استعملا ولدا في التاسعة من عمرة كدرع بشري وأمروه بفتح حقائب يُشتبه بأنها ملغمة. وقد تم ادانة جنديين وحكم عليهم بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ وخفض الرتبة من رتبة رقيب أول الى رتبة رقيب. في الحالة الثالثة تم تقديم لائحة اتهام ضد جندي بسبب قتل مجهول وبالتصرف بصورة غير لائقة. وتم في ثلاث حالات أخرى محاكمة ستة ضباط ضمن محاكمة تأديبية. وتعرف بتسيلم عن ستة ملفات على الأقل تم فيها اتخاذ القرار بعدم تقديم الجنود للمحاكمة.
ولهذا، من أجل فحص الاشتباهات بأن الجيش عمل بصورة غير قانونية، ينبغي على إسرائيل إجراء تحقيق مستقل وأمين خارج الجيش. مع نهاية الحملة توجهت منظمات لحقوق الإنسان، وبضمنها بتسيلم، إلى المستشار القضائي للحكومة وطالبت بإقامة جهاز تحقيق مستقللفحص تعاطي الجيش خلال الحملة غير أنها جوبهت بالرفض.
عيّن مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة القاضي ريتشارد جولدستون رئيسا للجنة التي أقيمت لفحص احداث القتال في غزة. وقد طلبت اللجنة من الطرفين التحقيق في الاشتباهات بتنفيذ جرائم حرب خلال الحملة ومحاكمة المسئولين عن الانتهاكات. وقد شجبت إسرائيل التقرير وادعت بأنه خاطئ، منحاز ومن طرف واحد. إن بتسيلم ترفض هذا الادعاءات لكنها أيضا تنتقد جزءا من الأشياء الواردة في التقرير وجزء من استنتاجاته. ومن بين ذلك، ترى بتسيلم أن النقد الوارد في التقرير لم يعبر عن خطورة الانتهاكات التي قام بها مقاتلو حماس وأن الاستنتاجات الخاصة للأهداف العليا لاسرائيل من الحملة لم يتم تعزيزها ببحث مستفيض. ومع هذا، فإن بتسيلم تقبل التوصية الأساسية في التقرير: إسرائيل كما هو الحال بالنسبة لحماس ملزمة بالتحقيق بالاشتباهات بأنها عملت خلال الحملة بصورة مخالفة للقانون.
تعاود بتسيلم مطالبة إسرائيل بإجراء تحقيق مستقل وفعال بخصوص ادارة الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب وايداع هذا التحقيق بأيدي جهات لم تكن ضالعة بأي شكل في ادارة الحملة.



