جنود قتلوا بنيرانهم فتىً (16 عامًا) خلال مظاهرة قرب السياج الحدودي في غزّة – بذلك بلغ عدد ضحايا الجيش 24 قتيلاً منذ ابتدأت المظاهرات هناك في تشرين الأول 2015

تم النشر في: 
29.8.17

يوم الجمعة الموافق 28.7.17، زهاء الساعة 14:30، نظمت المظاهرة الأسبوعية بالقرب من السياج الحدودي شرقي مخيم البريج للاّجئين في قطاع غزة. وفي الأسبوع نفسه، في ذلك الأسبوع جرت المظاهرة تحت وقْع أحداث شرقي القدس والمسجد الأقصى. وقد شارك في المظاهرة نحو 100-150 من الشبّان. في أثناء المظاهرة رشق الشبّان الجنود بالحجارة، بعضهم مستخدمًا في ذلك مقلاعًا. كانت مجموعة الجنود متمركزة في الطرف الآخر من السياج الحدودي. وفيما كانوا في مواقعهم خلف سواتر ترابيّة وإلى جانبها، أخذ الجنود يطلقون نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع. عندما أخذ المتظاهرون في الاقتراب من السياج أطلق الجنود الأعيرة النارية على أقدامهم.

متظاهرون فلسطينيون يهربون من نيران قوّات الأمن الإسرائيلية خلال مظاهرة قرب الجدار الأمنيّ، شرقيّ مدينة غزّة. تصوير: محمد سالم، روتيرز، 20.11.15
متظاهرون فلسطينيون يهربون من نيران قوّات الأمن الإسرائيلية خلال مظاهرة قرب الجدار الأمنيّ، شرقيّ مدينة غزّة. تصوير: محمد سالم، روتيرز، 20.11.15

يتبين من تحقيق بتسيلم أنّ عبد الرحمن أبو هميسة، 16 عامًا، تقدّم زهاء الساعة 16:00 مع عدد من أصدقائه، جميعهم من مخيم البريج، عشرات الأمتار جنوبًا على طول السياج في محاولة منهم للابتعاد عن الجنود. صعد عبد الرحمن أبو هميسة تلّة صغيرة تمتدّ في محاذاة السياج الحدودي على بُعد نحو خمسين مترًا منه.

جمل أبو مصلح، 20 عامًا، كان يقف بالقرب من أبو هميسة. في الإفادة التي قدّمها في تاريخ 30.7.17 لباحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، روى جمل ما حدث:

جمل أبو مصلح، 20 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.صعد عبد الرحمن التلّة، وذهب معه اسماعيل جبر ومؤمن الخالدي. وبينما كان عبد الرحمن يتقدم، أصابته رصاصة أطلقها أحد الجنود الذين كانوا في مركز الساتر الترابي، على بُعد 50 مترًا تقريبًا. أصيب عبد الرحمن في طرف جسده الأيمن، وقع على الأرض وبدأ يصرخ "جمل، ساعدني!" وينطق بالشهادتين. خفت، وقلت له إنّي لا أستطيع الوصول إليه، لأني كنت خائفًا. في اللحظة التي أصيب فيها عبد الرحمن، أصيب أيضًا إسماعيل وسقط إلى جانبه. حاول مؤمن الخالدي أن يجرّ عبد الرحمن إلى الخلف، وعند ذلك أصيب هو أيضًا وسقط، ولهذا لم أتمكّن من الاقتراب منهم.

بعد أن توقّف إطلاق النار، صعدت إلى أعلى التلّ. حملتُ المصاب إسماعيل جابر على كتفي وسحبته في اتجاه الغرب مبتعدًا عن الحدود، شباب آخرون حملوا عبد الرحمن ومؤمن الخالدي. أدخلت إسماعيل إلى سيارة الإسعاف والشباب كانوا خلفي، وصلوا وأدخلوا عبد الرحمن إلى سيارة الإسعاف نفسها، ولم يكن يتنفّس. كان قد توفّي.

مؤمن الخالدي، 23 عامًا، روى في إفادة قدّمها في تاريخ 30.7.17 لباحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة:

بينما كنت واقفًا مع عدد من الشباب، قالوا لي إنّهم سمعوا شخصًا يصرخ من فوق. صعدت إلى أعلى تلّة ترابيّة صغيرة ورأيت عبد الرحمن ملقىً على الأرض. طلب المساعدة وكان يعيد ويكرّر النطق بالشهادتين. على بُعد مسافة قصيرة منه، في الاتجاه الأقرب إليّ، كان إسماعيل جابر مستلقيًا على الأرض. أخذت في سحب عبد الرحمن من ساقيه، وعندها أطلق عليّ الجنود عيارًا أصابني في الفخذ الأيمن. تركت عبد الرحمن، ابتعدتُ عنه بضعة أمتار وسقطت على الأرض. ظلّ عبد الرحمن وإسماعيل ممدّدان على الأرض بجانبي. عندما حاول إسماعيل أن ينهض أطلق الجنود رصاصة أخرى عليه فسقط مرّة أخرى.

شرعت في الصراخ نحو المتظاهرين، الذين كانوا بعيدين عنا، لكي يأتوا ويساعدوا. جاء عدد منهم وحملوا اسماعيل، وعبد الرحمن الذي لم يكن يتنفس. نقل الشباب كليهما إلى سيارة إسعاف كانت تقف بعيدًا، ثمّ عادوا إليّ. كان جُرحي ينزف وزحفتُ على الأرض لكي أبتعد عن الحدود.

مؤمن الخالدي، 23 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.
مؤمن الخالدي، 23 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.

عندما وصل الشباب إليّ حملوني على أيديهم لمسافة 250-300 مترًا. عندما لم يجدوا سيارة، نقلوني على درّاجة نارية، وفي الطريق صادفتنا سيارة إسعاف فنقلتني إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث قاموا بتضميد الجرح وأجروا لي صورًا تبين منها أن هناك ثقبان في فخذي الأيمن، ثقب دخول وثقب خروج العيار الناري.

عندما وصل أبو هميسة إلى مستشفى شهداء الأقصى كان قد توفّي، وقد أظهر الفحص ثقب دخول رصاصة في كتفه الأيمن وثقب خروج في الجزء العلوي من ظهره. أمّا الخالدي فقد أصابه عيار ناريّ في فخذه الأيمن، بينما إصابة جابر كانت جرّاء إطلاق النار على ساقه اليسرى وفخذه الأيسر. خرج كلاهما من المستشفى في اليوم التالي.

قبل نحو عامين، في تاريخ 10.10.15، ألقي القبض على أبو هميسة مع خمسة شبان فلسطينيين آخرين، اثنان منهم قاصران، بعد أن عبروا الحدود في أعقاب مظاهرة بالقرب من السياج الحدودي. أثناء الاعتقال وخلال الأيام الثلاثة التالية، قام الجنود بالتنكيل بالمعتقلين الستّة، وأبقوهم مكبّلين في العراء طيلة الفترة كلّها، ضربوهم مرارًا، منعوهم من النوم، بل إنّهم أطفأوا السجائر في قدمي ويدي أحد المعتقلين القاصرين. أدين أبو هميسة بالتسلل إلى إسرائيل وحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر، وفي تاريخ 26.1.16 أطلق سراحه.

في إفادة قدّمتها في تاريخ 30.7.17 لباحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، تحدّثت والدته، حكمت أبو هميسة، 52 عامًا، عن ابنها:

حكمت أبو هميسة، 52 عامًا، والدة عبد الرحمن الذي قتل برصاص الجنود بالقرب من السياج الحدودي في قطاع غزة. تصوير: أولفت الكرد، بتسيلم. 30.7.17.عندما اعتُقل عبد الرحمن كان في الصفّ التاسع. خسر أربعة أشهر دراسيّة، ومنعونا من زيارته طيلة فترة اعتقاله. حالتي النفسية كانت صعبة جدًا، وكنت حزينة جدًا بسبب اعتقاله.

فرحت جدًا حين أُطلق سراحه في تاريخ 26.1.16 . كان ذلك يومًا لن أنساه. انتظرته عند حاجز إيريز من التاسعة صباحًا إلى أن وصل، في الساعة الرابعة. التقيت به خارج الحاجز، عانقته وقبّلته ثمّ عدنا إلى البيت. بعد ذلك، عاد عبد الرحمن إلى المدرسة، ثمّ ترفّع إلى الصف العاشر. حالته النفسية كانت صعبة ولذلك لم يرغب في مواصلة الدراسة. كان عصبيًا جدًا، وأحيانا كان يصرخ، ولم يحب التحدث إلى أي شخص.

سجّلته في مؤسّسة للتأهيل المهني تابعة للأونروا، لكي يتعلّم مهنة تفيده في المستقبل، ولكي تتحسّن حالته النفسيّة، التي ساءت بسبب حبسه في السجن الإسرائيلي.

في يوم الجمعة الماضي 28.7.1،7، جاء جارنا إلى منزلنا وأخبر زوجي بأن عبد الرحمن قد أصيب. شغّلت بناتي التلفزيون وشاهدن في الأخبار نبأ مقتل ابني. لم أصدّق ما شاهدته في التلفزيون. شرعت في تلاوة الآية القرآنية "إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ثمّ أغمي عليّ. أيقظني أولادي وسافرت إلى المستشفى مع زوجي وبناتي وجارنا.

عندما وصلنا إلى مستشفى شهداء الأقصى، توجّهت إلى مكتب الاستقبال وسألت عن ابني. قال لي الأطباء إنه ميت، وأنه الآن في ثلاّجة الموتى. لم أصدّقهم. كان لديّ أمل أن يكون عبد الرحمن على قيد الحياة مازال، لكنّ الأطباء أكّدوا لي أنه قد مات. وقعت على الأرض وأخذت في الصراخ والعويل على فقدان ابني.

بعد ذلك، توجّهت إلى غرفة ثلاّجات الموتى في المستشفى. فتح أحد الممرّضين الدُّرج الذي رقد فيه عبد الرحمن. عندما رأيته راقدًا في الثلاجة أخذت في الصراخ والعويل، عانقته على أمل أن يستيقظ وأن نتمكّن من أخذه معنا إلى البيت. كنت مصدومة من موت ابني الغالي الذي فقدته ولن تراه عيني بعد اليوم. ودّعته في تلك اللحظة. قلبي يتمزّق ألمًا على فراق ابني. عندما عانقته أحسست كأنّي أريد أن أضعه داخل قلبي فلا أفارقه أبدًا، لكن الموت فرّق بيننا. بعد أن ودّعته في المستشفى، عدت إلى البيت في حداد عليه وألم كبير يعتصر قلبي.

أنا الآن مشتاقة لعبد الرحمن. مشتاقة لضحكته وحبّه ونكاته. رغم الألم والحزن اللّذين أشعر بهما جرّاء فراقه، أصلّي من أجله وأتمنّى له الرحمة.

عبد الرحمن أبو هميسة الذي قتل برصاص الجنود بالقرب من السياج الحدودي في قطاع غزة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 2016.أظهر التحقيق الذي أجرته منظمة بتسيلم أنّ جنودًا قتلوا عبد الرحمن أبو هميسة وجرحوا اسماعيل جبر ومؤمن الخالدي حين أطلقوا عليهم أعيرة نارية من مسافة نحو خمسين مترًا، رغم أنّ الثلاثة لم يشكّلوا خطرًا عليهم. في عام 2016 قُتل في مكان قريب كلّ من محمد أبو سعد وعبد الرحمن الدباغ. وبمقتل أبو هميسة يرتفع عدد الضحايا الفلسطينيين إلى 24، قُتلوا بأيدي جنود خلال المظاهرات التي جرت قرب السياج الحدوديّ منذ شهر تشرين الأوّل عام 2015. أيٌّ من هؤلاء القتلى لم يشكّل خطرًا على حياة الجنود. أبو هميسة هو القاصر الثالث من بين الضحايا.

لدى التمعّن في سلسلة الأحداث القاتلة التي جرت قرب السياج الحدوديّ، يتبيّن بوضوح أنّ الجيش يتّبع سياسة إطلاق نار مخالفة للقوانين حين يطلق نيرانه على متظاهرين لا يشكذلون خطرًا على الجنود. لا ينكر الجيش هذه الوقائع، ولكنّه في تصريحاته الرسمية لوسائل الإعلام يظهرها على أنّها "إطلاق نار تجاه محرّضين مركزيّين" أو خطوات يتوجّب اتّخاذها "لمنع إلحاق الضرر بالسياج الحدوديّ". وسواء كان المبرّر هذا أو ذاك، فالجليّ أنّنا أمام واقع تُستخدم فيه النيران القاتلة وعلى نحوٍ مخالف للقانون ضدّ متظاهرين فلسطينيين لا يشكّلون خطرًا، ولكن يُنظر إلى دمائهم على أنّها رخيصة.

طيلة السنين الماضية كانت منظمة بتسيلم تتوجّه بمطالبات إلى جهاز تطبيق القانون العسكري بهدف الدفع نحو مساءلة ومحاسبة جدّيتين في حالات قتل فلسطينيين، ولكنّ تلك المطالبات لم تُسفر عن أيّة نتيجة. في حالات كثيرة لم يتمّ فتح تحقيق، وعلى أيّة حال، فإنّ الأحداث التي أجري فيها تحقيق انتهت على نحوٍ شبه دائم إلى التستّر وطمس الحقائق. لذلك قرّرت منظمة بتسيلم الامتناع عن التوجّه إلى النيابة العسكرية طلبًا للتحقيق؛ علمًا أنّ المنظمة في الوقت نفسه تواصل العمل بطرق أخرى للدفع نحو المساءلة والمحاسبة. تحقيقًا لهذه الغاية، نحن مستمرّون في التحقيق في مثل هذه الأحداث ونشرها على الملأ. مع ذلك، فالأمر المفروغ منه هو أنّ إجراء التحقيق ومحاكمة المسؤولين جميعًا عن هكذا أحداث يبقى من واجب الجهاز العسكريّ. ولكن طالما النيابة العسكرية تواصل اتّباع سياسة التستّر وطمس الحقائق فليس هناك ما يردع أفراد قوّات الأمن عن مواصلة إطلاق النيران القاتلة على فلسطينيين لا يشكّلون خطرًا على حياتهم.