الجيش الاسرائيلي يرشّ أراض زراعيّة بالقرب من الجدار الحدودي في قطاع غزة، ويتسبّب في إتلاف المحاصيل وتكبّد خسائر فادحة

تم النشر في: 
4.2.16

في كانون الأول عام 2015 أبلغ مزارعون فلسطينيون من قطاع غزة أن طائرات الجيش الاسرائيلي رشّت محاصيلهم بالمبيدات الزراعية في ثلاثة أوقات مختلفة، في 8/12/2015 وفي 21/12/2015 وفي 23/12/2015. غطّى الرش مناطق تمتدّ لمسافة تصل إلى نحو 200 متر من الجدار الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل، من وسط غزة جنوبًا: بدءًا من الأراضي التي تقع شرق مخيم البريج وحتّى الأراضي التي تقع شرق خزاعة. هذا على الرغم من أنّ الجيش أعلن في عام 2014 عن السماح للمزارعين بزراعة الأراضي حتى مسافة تبعد 100 متر عن الجدار. بالإضافة إلى ذلك، وبسبب الرياح التي هبّت في ذلك اليوم، وقعت أضرار جسيمة أيضًا للأراضي التي تبعد مسافة أطول عن الجدار.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يرشّ فيها الجيش محاصيل زراعيّة على طول الجدار الحدودي. في العامَين-الثلاثة الماضية يقوم الجيش بعملية الرش مرة أو مرتين في السنة. في الأعوام السابقة، قام الجيش بتسطيح النبيت والأرض في المنطقة المجاورة للجدار بواسطة الجرافات. على الأغلب، لا يُحدث الرش أضرارا جسيمة في المحاصيل الزراعيّة، لأنه تمّ في الأراضي التي بالكاد زُرعت. لكن هذا العام، مساحات كثيرة مزروعة مُنيت بأضرار جسيمة. من الإفادات التي جمعها باحثو بتسيلم الميدانيون من المزارعين الذين يزرعون الأراضي في هذه المناطق، يتبيّن بأن الأضرار التي لحقت بالمحاصيل بدأت تتكشّف بعد يومين من الرش، وفي غضون أيام قليلة جفّت أوراق بعضها بشكل تامّ. بالإضافة إلى ذلك، وبسبب الرياح تضررت بشدّة أيضًا الحقول التي تبعد مسافة تزيد عن 300 متر عن الجدار الحدودي.

حقل متضرّر من رشّ الجيش في قطاع غزّة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 31/12/2016
حقل متضرّر من رشّ الجيش في قطاع غزّة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 31/12/2015

منذ بداية الانتفاضة الثانية في أيلول عام 2000، بدأت إسرائيل بتقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم المجاورة للجدار الحدودي. على مر السنين، غيّر الجيش من وقت لآخر من حجم المناطق التي حظر على المزارعين دخولها. ومع ذلك، دائمًا ساد الغموض بشأن حجمها، ولم يجتهد أي مسؤول رسمي بأن يوضح لسكان قطاع غزة حجم المنطقة المحظور دخولها. وهكذا، في تشرين الثاني عام 2008، في أعقاب فشل اتفاق "التهدئة" بين حماس واسرائيل، حدّد الجيش المنطقة العازلة المحاذية للجدار الأمنيّ إلى 500 متر داخل الأراضي الفلسطينية. في أيار عام 2009، أعلن الجيش أن الشخص الذي يدخل إلى المجال مسافة تبعد اقل من 300 متر عن الجدار يعرّض حياته للخطر، وسوف تستخدم ضده جميع التدابير، بما في ذلك إطلاق النار. في بيان صادر عن الجيش في نفس العام أعلن أن "المنطقة المجاورة من الجدار الحدودي هي منطقة قتال". حتى في نهاية عام 2012، في أعقاب التوصل إلى اتفاقات بين إسرائيل وحماس بعد عملية "عمود السحاب"، أبلغ الجيش منظمة مسلك (غيشاه) أنه تمّ تقليص المنطقة المحظور دخولها، وأنه يسمح للمزارعين بالعمل في الأراضي لمسافة تبعد 300 متر عن الجدار. بعد عام ونصف لاحقًا، بعد "عملية الجرف الصامد"٬ أبلغ الجيش منظمة مسلك أنه تمّ تقليص المنطقة المحظور دخولها، وأنه يسمح للمزارعين بالعمل في الأراضي لمسافة تبعد 100 متر عن الجدار، وبالأقدام فقط. في السنوات التي تلت بدء الجيش بمنع المزارعين من الوصول إلى المناطق المجاورة للجدار مما ادى الى تضرر مصدر معيشة أصحاب الأراضي في هذه المناطق بشكل كبير.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى مدار السنين نشأ غموض فيما يتعلق بحجم المنطقة "المحظورة"، بسبب عدم اهتمام الجيش بتعليمها بشكل واضح، وبسبب الهوّة الدائمة بين التصريحات الرسمية للجيش وتطبيق السياسات ميدانيًا. هكذا، أطلق الجيش النار أيضًا على المزارعين الذين يعملون في أرضهم وظنوا مخطئين أن الجيش يجيز دخولهم. هذا الوضع يترك المزارعين في حالة من اللا يقين المستمر بشأن المناطق التي يسمح لهم بالعمل فيها، وبشأن مستوى الخطر الذي يتهددهم.

بعد نحو يومين من الرش بدأت أرى الضرر يظهر على أوراق النباتات. بعد مرور خمسة أيام، رأيت الضرر الحاصل في محاصيل البازلاء والفول التي جفّت. عندما رأيت ذلك صدمت، لم أصدّق. أحرقت نباتاتي أمام عيني وأدركت أنني فقدت محصولي ولن أتلقى عليه شاقلاً واحدًا.

من إفادة خ.أ، 47 عامًا، متزوج وأب لثلاثة

وكشفت الافادات التي جمعها باحثو بتسيلم الميدانيون في كانون الاول عام 2015 أن العديد من المزارعين في قطاع غزة، ممن تجاور أراضيهم الجدار، اضطروا إلى استئجار أراض أبعد حتى يتمكنوا من إعالة أسرهم في ظل غياب مصدر رزق آخر لهم. بسبب الغموض الذي يحول هذا الموضوع من قبل الجيش، حتى العمل في هذه الأرض محفوف بالمخاطر التي تزداد عندما يسود المنطقة ضباب، أو تقع فيها مظاهرات.

عمليات الرش التي نفذها الجيش في كانون الأول هي جزء من سياسة تقييد الوصول إلى هذه المناطق في قطاع غزة، وهي سياسة يطبقها الجيش منذ سنوات عديدة. في بيان صادر عن الناطق بلسان الجيش في تاريخ 27/12/2015 والذي نشر في موقع منظمة مسلك٬ برر هذا العمل وقال: "أجريت الأسبوع الماضي عملية رش جوي لمبيدات أعشاب ومثبطات الإنبات في الحيّز المجاور للجدار الحدودي، وذلك لتمكين استمرار تنفيذ المهام الأمنية الجارية على النحو الأمثل". هذا البيان يتجاهل بشكل تام تأثير الرش على مناطق واسعة بسبب هبوب الرياح في ذلك اليوم والضرر الكبير الذي لحق بمصدر رزق المزارعين. كذلك هو يجسّد الرؤية النفعية لإسرائيل من قطاع غزة: متى شاءت، يدور الحديث عن "كيان سياسيّ معاد" لا يوجد لإسرائيل مسؤوليات أو التزامات تجاه مواطنيه. ومتى شاءت، يدور الحديث عن "حيّز" يُسمح للجيش بتنفيذ "مهام أمنية جارية" فيه، كما لو كان الحديث يدور عن أراضيها هي.

على أرض الواقع، تواصل إسرائيل السيطرة، حتى بعد "خطة الانفصال"، على جوانب واسعة من حياة سكان قطاع غزة وحجم هذه السيطرة يفرض عليها المسؤولية عن سلامتهم ورفاههم. لا يُسمح لإسرائيل بالتعامل مع أراضي القطاع على أنها جزء من أراضيها، كلما اعتقد جهاز الأمن أنه من الضروري تحديد "منطقة أمنية" بين قطاع غزة وإسرائيل، فإنّه يجب تحديدها داخل أراضي إسرائيل.

المنطقة العازلة التي عرّفها الجيش على طول الجدار الأمنيّ الحدودي. الصورة مأخوذة من خريطة قطاع غزّة لمنظّمة مسلك
المنطقة العازلة التي عرّفها الجيش على طول الجدار االحدودي. الصورة مأخوذة من خريطة قطاع غزّة لمنظّمة مسلك

إفادت:

إفادة رياض سليم محمد النسر، 54 عامًا، متزوج وأب لستة، مزارع، من سكان مخيم البريج في محافظة دير البلح. سجل الإفادة خالد العزايزة في تاريخ 30/12/2015

رياض النسر. تصوير: خالد العزايزة٬ 30/12/2015أعمل في الزراعة منذ 25 عاما. أملك أنا وأشقائي الخمسة ثمانية دونمات من الأراضي الزراعية في المنطقة الحدودية، شرقي مخيم البريج. لأن هذه الأرض تتواجد على بعد أقلّ من 100 متر من الجدار الحدودي، لا يمكننا فلاحتها. استأجرت 70 دونمًا من الأرض الزراعية على بعد 300 متر من الجدار، شرقي مخيم البريج، بهدف كسب الرزق. أدفع إيجارًا قدره 4000 دينار أردني سنويا. وهو مبلغ منخفض نسبيا، وهذا سببه قرب الأرض من الحدود وإطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي يجعل من فلاحتها أمرًا محفوفًا بالمخاطر. لأني لا أمتلك عملا آخرـ اضطر لاستئجار قطعة الأرض والعمل فيها مع أولادي، أخي، وأبناء أختي. أنا وبقيّة أفراد عائلتي نعيل أفراد عائلاتنا من فلاحة الأرض. يعيش نحو 40 شخصًا من هذه الأرض، وأحيانًا أستأجر عمالا إضافيّين لمساعدتنا في فلاحة الأرض.

أزرع القمح في 48 دونمًا، والبقدونس في 12 دونمًا، وفي بقية الأرض، كنت أخطط  زراعة الفلفل والبطيخ في شهر شباط. زرعت القمح قبل شهر تقريبًا، والبقدونس في نيسان، أحصد البقدونس مرة في الشهر. من كلّ دونم أحصد طنًا ونصف من البقدونس. سعره يتغيّر. أحيانا أبيع طنًا ونصف ب 3000 شاقل، وأحيانا أكثر أو أقل من هذا. بدأت أحصد البقدونس في تموز، وقد حصدته إلى الآن خمس مرات.

بذور دونم البقدونس تكلف 1200 شاقل، كلّ دونم يتطلّب شاحنة من الأسمدة تكلف 1200 شاقل وأنواعًا أخرى من المواد الكيماويّة عدة مرات في الشهر. كيس واحد مكوّن من 25 كغم، يكلف 125 شاقلاً. حين بيع طن ونصف من البقدونس يتبقّى لي 1000 شاقل.

في نهاية شهر كانون اول٬ لا اذكر بالتحديد٬ رأيت طائرة إسرائيلية في ساعات الصباح ترشّ مادة بيضاء في المنطقة الحدودية. وكانت الطائرة تحلق على ارتفاع منخفض جدا، داخل الأراضي الفلسطينية، على بعد نحو مائة متر غربي الجدار الحدودي. بعد ذلك بيومين، عندما كنت في الحقول التي أزرعها، اكتشفت أنّ لون البقدونس قد اصفر، وأدركت أنّ الرش قد أتلفه. حملت الرياح المبيد نحو محاصيلنا. كان من المفترض أن تجني حصاد البقدونس ونبيعه، ولكني اضطررت أن أجمعه وأرميه. الآن أنتظر نموّ البقدونس مرة أخرى. كذلك تمّ إتلاف 40 دونمًا من القمح، وتبقّى لنا منها فقط ثمانية دونمات.

كانت لديّ التزامات مع التجار. كان من المفترض أن أوفر لهم البقدونس، ولكن وبسبب إتلاف المحاصيل وعدم توفيري البضاعة لهم اضطروا لشراء البقدونس من مزارعين آخرين، وخسرت عملي معهم. كذلك في نيسان ٬2015 قامت طائرة برشّ المحاصيل في المنطقة الحدودية وخسرت ثمانية دونمات من البقدونس، وثمانية دونمات من الفلفل الأخضر وثمانية دونمات من البطيخ. حرثتُ الأرض وزرعتها مرة أخرى. تكبّدت خسائر بما يقارب 19000 شاقل. في ذلك الوقت، حضر إلى الحقول أشخاص من الصليب الأحمر ووزارة الزراعة والتقطوا صورًا للمحصول وقدّروا الخسائر، ولكنّي لم أحصل على أي تعويض من أية جهة.

المحاصيل والبذور، مع نية إرجاع الأموال بعد بيع المحصول، ولكنّي الآن بلا محصول ومُلزم بتسديد ديون. إذا استمر الجيش الإسرائيلي برش المنطقة الحدودية سأضطر إلى التوقف عن زراعة الأرض، ولا أدري كيف سنعيل أنا وأشقائي عائلاتنا. ليس لدينا أي مصدر دخل آخر غير الزراعة.

حقل متضرّر من رشّ الجيش في قطاع غزّة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 31/12/2016
حقل متضرّر من رشّ الجيش في قطاع غزّة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 31/12/2016

إفادة خ.أ، 47 عامًا، متزوج وأب لثلاثة، مزارع، من سكان قرية المصدر شمال شرق دير البلح، على بعد ما يقارب 450 مترًا من الجدار الحدودي. سجل الإفادة خالد العزايزة في تاريخ 31/12/2015

لدي قطعة أرض مكوّنة من خمسين دونمًا متاخمة للجانب الغربي من الجدار الحدودي، شرقيّ قرية المصدر. يتواجد بيتي على هذه القطعة، ولكن لأنها تصل إلى الحدود، يمكنني فلاحة 25 دونمًا فقط منها. ما تبقى من الأرض يمثل أمام عيني، ولكني لا أستطيع الوصول إليه لأن الجيش الإسرائيليّ يطلق النار على أيّ شخص يقترب من مسافة نحو 150 مترًا من الحدود.

في الجزء الذي يمكنني فلاحته، زرعت بذور القمح والشعير والفول والبازلاء. تكلفة البذور والحرث، يشمل استئجار الجرار، تقّدر بنحو 5000 شاقل، ودفعت مثلها أجور العمال الذين ساعدوني في رعاية الأرض. يوم الثلاثاء الموافق 8/12/2015، عند الساعة 7:00 تواجدتُ في أرضي بجوار المنزل، ثم حضرت طائرة رش محاصيل إسرائيليّة وشرعت في رش الأراضي في المنطقة الحدودية. توغلت الطائرة حتى مسافة 200 متر تقريبًا داخل الأراضي الفلسطينية. حلقت الطائرة في علوّ منخفض وفي تلك اللحظة هبّت الرياح باتجاه منزلنا. لم أكن أعتقد أن هذه المبيدات ستكون مدمرة إلى هذا الحدّ. يرشّ الجيش كل سنة في هذه المنطقة وحتى اليوم لم تحدث أضرار بالغة. عادة، تتضرر فقط النباتات المتواجدة على بعد مائة متر من الجدار. لا أحد يزرع شيئًا هناك على الإطلاق، ولهذا لا يحدث ضرر للمحاصيل نتيجة الرش، فهي تشكّل أراضي للمرعى فقط.

بعد نحو يومين من الرش بدأت أرى الضرر يظهر على أوراق النباتات. بعد مرور خمسة أيام، رأيت الضرر الحاصل في محاصيل البازلاء والفول التي جفّت. عندما رأيت ذلك صدمت، لم أصدّق. أحرقت نباتاتي أمام عيني وأدركت أنني فقدت محصولي ولن أتلقى عليه شاقلاً واحدًا.

أتلفوا محاصيلنا دون أي سبب. بعد عشرة أيام، عندما كنت فقدت الأمل من المحصول، جلبت جرارًا وحرثت حقول القمح والشعير وزرعتها مجددا. تركت البازلاء كما هي في الأرض لأن زراعتها من جديد تكلّف أموالاً كثيرة ولم أملك الوقت الكافي للقيام بذلك في موسمها. حتى بذور القمح والشعير زرعتها في وقت متأخر، ولكني آمل أن تنمو.

ليس لدي أي مصدر دخل آخر غير الزراعة. كنت آمل في الحصول على محصول جيد من من البازلاء والفول. سعر كيلو من البازلاء الآن هو خمسة شواقل وكيلو من الفول حوالي 16 شاقلاً. قبل شهرين من الرّش دفعت أمولا كثيرة لقاء المبيدات لهذه الأرض. لحسن الحظ كان لدي سماد من روث الأغنام ولم يكن هناك داع لإنفاق المال على ذلك. لدي عشرة أغنام والآن لا أستطيع السماح لها بالرّعي بالقرب من الجدار الحدودي، لأنهم سمّموا النباتات هناك وسأضطر إلى شراء العلف لها من السوق. اقترضت 7000 شاقل تكاليف تجهيز الأرض، بما في ذلك استئجار جرار، أجور عمال ومواد للأرض. الآن لا أستطيع تسديد القرض لأنني فقدت المحصول. كنت آمل أيضًا أن يساعدنا دخل المحاصيل على بناء منزل، بعد أن تم هدم منزلنا في الحرب الأخيرة. نحن نعيش الآن في مبنى عشوائيّ مصنوع من الخشب والصفيح في الطابق الأول لما كان يومًا منزلنا. الظروف صعبة للغاية. حار جدا في الصيف والآن الطقس بارد في الشتاء، والأولاد مرضى على الدوام.

لا أدري لماذا رشّت الطائرات المحاصيل دون داعٍ ولماذا يجعلوننا نبذل قصارى جهودنا في العمل في أراضينا وفي زراعتها، ثم يأتون ويرشّونها قبل أن نجني المحصول.

بقع المبيدات على أوراق النباتات. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 29/12/16
بقع المبيدات على أوراق النباتات. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 29/12/15

إفادة صائل مصطفى أبو سعيد، 48 عامًا، متزوج واب لثمانية، مزارع، من سكان مخيم البريج. سجل الإفادة خالد العزايزة في تاريخ 30/12/2015

نسكن على بعد 800 متر تقريبًا من الجدار الحدودي، شرقيّ مخيم البريج. لدي أرض زراعيّة على مساحة عشرة دونمات مجاورة لبيتي، وهي أيضًا تتواجد على بعد ما يقارب 800 متر من الجدار، في قسم منها بستان زيتون والباقي قمح وشعير وفول. كما أني استأجرتُ أرضًا أخرى مجاورة لأرضي، تبلغ مساحتها سبعة دونمات، وزرعت فيها في السابق الخضروات ولكن في الوقت الراهن لا يوجد فيها شيء مزروع. يوجد في أرضي أيضًا بئر ماء. نعاني على مدار السنين من إطلاق النار من الأبراج العسكريّة، وخاصة في ساعات الصباح الباكر بسبب الضباب وفي ساعات المساء. لذلك توقفت عن الذهاب إلى الأرض في هذه الساعات خوفا من أن يطلقوا النار عليّ.

بالإضافة إلى إطلاق النار، يرش الجيش الإسرائيلي المبيدات على طول الحدود مرة واحدة على الأقل في السنة. في العام الماضي، في كانون الأول أو الثاني، قامت طائرة بِرشّ المنطقة الحدودية. وقتها كان لديّ دونمان من الفول، ثلاثة دونمات من الباذنجان ودونمان من الكوسا، وفي بقية الأرض زرعت القمح والشعير. تم تدمير 80٪ من محاصيلي جرّاء الرش. هذه المحاصيل تطلّبت أكثر من شهرين من العمل، قمت بسقيها، ورشّها، وتزبيل الأرض. وفي الليل، غطّيت الكوسا بالنايلون. تطلّب كلّ دونَم مبيداتٍ يبلغ سعرها نحو 800 شاقل.

حدث الشيء نفسه مرة أخرى هذا العام. قبل نحو أسبوعين كنت في أرضي في ساعات الصباح. اعتني بمحاصيلي، الفول والقمح والشعير، وفجأة وصلت طائرة ورشت المنطقة الحدودية، على بعد مائة متر تقريبا غربيّ الجدار، داخل الأراضي الفلسطينية. عندما استدارت الطائرة توغّلت في الأراضي الفلسطينية مسافة مئات الامتار. حلّقت على علوّ منخفض. لم أكن أعرف إذا كان الرشّ سيصل إلى أرضي، ولكن بعد بضعة أيام رأيت بداية اصفرار في المحاصيل. جزء من الفول الذي زرعته في دونمين بدأ يجفّ ويصفرّ وتلف، كما وتلفت تماما أربعة دونمات من القمح وثلاثة دونمات من الشعير. تسبب لي الرّش بخسارة تُقدّر ب 2500 شاقل.

الآن أحاول إصلاح الأضرار، لذلك أرش المحاصيل بمادة معالجة لإنقاذ ما تبقى من الفول. كل أربعة أيام أرشّ مرة واحدة، يكلفني ذلك 80 شاقلا في كل مرة. كنت آمل ان ينجح العلاج وأتمكّن من بيع المحصول في السوق. للأسف، العلاج لم ينجح ويمكنني أن أبيع المحصول فقط كغذاء للأغنام. كيلو الفول تكلف اليوم نحو 16 شاقلا، وكنتُ آمل بحصد خمسين كيلو في اليوم، لكن الآن وبسبب رشّ الجيش الاسرائيليّ، لا يمكنني أن أبيع حتّى كيلوغرامًا واحدًا، وسأضطر لبيعه كغذاء للأغنام بسعر شاقل واحد للكيلو.

بالإضافة إلى الرّش، نعاني من إطلاق النار من قبل الجيش. يوم الجمعة، 25/12/2015، تواجدت في أرضي زهاء الساعة 15:20 مع جاري، يوسف مبارك أبو سبيخة، البالغ من العمر 48 عامًا. كان يعمل في الأرض التي استأجرها، وهي مجاورة لأرضي، وجاء ليتحدّث معي. في نفس الوقت كانت هناك مظاهرة لشبّان أمام الجدار، شرقي مخيّم البريج. وقفنا أنا ويوسف على بعد 350 متر من المواجهات. تلقى يوسف مكالمة هاتفية وابتعد عنّي مسافة خمسين مترا تقريبًا، باتجاه الجدار، ليردّ على الهاتف، وقد كان على بعد 300 متر من منطقة المواجهات. أطلق الجنود الرصاص الحي على المتظاهرين وأصابت رصاصتين يوسف، واحدة في الفخذ والأخرى في البطن. مشى بضع خطوات وهو يمسك بطنه وسقط على الأرض. صدمت عندما رأيته مصابا. هو مزارع وليست له علاقة بالمظاهرة. في غضون بضع دقائق، وصلت سيارة الإسعاف ونقلوه إلى المستشفى. عدت إلى المنزل، وفي وقت لاحق عرفت أن يوسف قتل. فقدت زميلا في العمل الزراعي وجارا، لم يفعل أي شيء سوى إعالته لعائلته.

بقع المبيدات على أوراق النباتات. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 29/12/16
بقع المبيدات على أوراق النباتات. تصوير: محمد سعيد، بتسيلم، 29/12/15

إفادة غازي أحمد إبراهيم النجار، 48 عامًا، متزوج واب لخمسة، مزارع، من سكان بلدة خزاعة شرقي خان يونس. سجل الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمد سعيد في تاريخ-30/12/2015:

لدي أربعة دونمات من الأراضي الزراعية شرقي بلدة خزاعة، على بعد 500 متر من الجدار. بالإضافة إلى أرضي أقوم باستئجار 18 دونمًا وذلك لزيادة دخلي٬ منها 8 دونومات على بعد 300 متر عن الجدار والبقية على بعد 400 الى 600 متر عن الجدار.

يوم الأربعاء الموافق 23/12/2015، زهاء الساعة 8:00، عندما كنتُ قريبًا من أرضي، رأيت حركة مركبات عسكرية إسرائيلية في المنطقة الحدودية وغبار دبابات على الجانب الآخر من الجدار الحدودي. جمعت أغراضي وابتعدت عن الأرض حتى وصلت إلى منزل أختي وسِلفي القريب من المنطقة والمطلّ على الجدار الحدودي.

بعد بضع دقائق سمعت المركبات العسكرية تقترب من الأراضي الفلسطينية. رأيت أربع جرافات ودبابتين تشرع في تسوية الأرض المتواجدة على بعد ما يقارب خمسين مترًا عن الحدود، داخل الأراضي الفلسطينية. مكثت هناك وشاهدت ما يحدث مع أختي وزوجها. بعد نصف ساعة رأيت طائرتين، واحدة تتوغل مسافة 70ـ30 مترا في الأراضي الفلسطينية وأخرى بقيت في الأراضي الإسرائيليّة. واصلت الطائرات والمركبات العمل حتى الساعة 9:30 تقريبًا. اختفت الطائرات لفترة من الوقت وعادت. انتشرت المواد المبيدة من الطائرات في كل حدب وبسبب الريح ووصلت إلى مئات الأمتار.

بعد يومين من الرش، وعندما كنت أعمل في الأرض، لاحظت وجود بقع بيضاء على القمح. تطورت خلال ساعات النهار، واصفرّت أوراق النباتات، ثم ذبلت تمامًا، خصوصًا في المنطقة القريبة من الحدود. تم إتلاف أربعة دونمات من القمح بالكامل، والآن يجب إلى حرث وزرع كل شيء من جديد. بقية أرضي تضررت أيضًا ولكن جزئيًا. جميع المزارعين والسكان في منطقة خان يونس يعرفون عن أمر هذه الطائرات وشاهدوها عدة مرات على مدار العامين الماضيين. مرّة كلّ نصف عام، في شهر نيسان وفي نهاية العام، يرشّون الاعشاب القريبة من الجدار الحدوديّ، ولكن عملية الرّش تؤثر على محاصيلنا ويكلفنا ذلك في كل مرّة الكثير من المال، هذا إلى جانب استثمار الوقت والعمل.

إفادة سليمان عبد الكريم مهنا، يبلغ من العمر 60 عاما، متزوج واب لثلاثة، مزارع، من سكان حي السريج شرقي القرارة، محافظة خان يونس. سجل الإفادة محمد سعيد في تاريخ-29/12/2015:

لدي ثمانية أبناء، جميعهم يعملون في الزراعة. هذا هو مصدر دخلنا الوحيد. لدي 35 دونمًا من الأراضي الزراعية شرقي القرارة، على بعد 400 إلى 800 متر من الجدار الحدودي.

زرعنا في الأراضي المحاصيل الشتوية، وقسم منها قد أثمر وكان جاهزا للحصاد. في عشرة دونمات زرعت الشعير، هذه الأراضي هي الأقرب إلى المنطقة الحدودية، على بعد 400 متر من الجدار. في خمسة دونمات أخرى، في نفس المسافة، زرعت الكرسنة، وهي من البقوليات المستخدمة كعلف للبهائم. الشعير والكرسنة لا يتطلبان الكثير من الرعاية والصيانة لذلك أنا أزرعها في الأرض القريبة من الجدار. في الدونمات السبعة التي تقع على بعد 500 متر من الجدار زرعت الكوسا، في حين زرعت البازلاء في سبعة دونمات تقع على بعد 500 متر من الجدار، وفي ستة دونمات تقع على بعد 800 متر من الجدار زرعتُ السبانخ.

يوم الاثنين الموافق 21/12/2015، زهاء الساعة 6:00 صباحًا، كنت مستيقظا وعلى استعداد للذهاب إلى الأراضي عندما سمعت طائرة تمر على مقربة من المنزل. صعدت سطح المنزل ورأيت طائرة زراعيّة صفراء تحلّق بعلوّ نحو 30ـ60 مترا، على بعد نحو مائة متر غرب من الجدار الحدودي، داخل الأراضي الفلسطينية. الطائرة كانت تحلق من الشمال إلى الجنوب وترش مبيدا كثيفا. استمرت عملية الرش لمدة ساعتين تقريبًا. في كل مرة اختفت الطائرة لفترة من الوقت ومن ثم عادت وظهرت من جديد. لا أعرف ما هي المواد التي رشتها لكني رأيت أنها طارت لمسافة مئات الأمتار عن الجدار الحدودي بسبب الريح. صباح اليوم التالي، بعد يوم من الرش، لاحظت ظهور بقع بيضاء على أوراق وسيقان النباتات. أدركت أن ذلك سببه الرش في اليوم السابق، لهذا طلبت من أبنائي جني جميع المحصول الناضج في ذلك اليوم، قبل أن يلحق به المزيد من الضرر. وفعلا، لمدة ثلاثة أيام بعدها، ازداد الضرر اللاحق بالنباتات. معظم النباتات جفت تمامًا.

النباتات الأكثر تضررًا هي النباتات ذات الأوراق مثل السبانخ والشعير والكرسنة. هذه الأراضي يجب حرثها وزرعها من جديد. النباتات الأخرى تضرّرت أيضًا، ولكن بشكل أقل. مواد مثل تلك التي تم رشها تؤثر على عمر النباتات وبالتالي على عدد المرات التي تعطي فيها محصولاً. نباتات الكوسا مثلاً تدر محصولاً 17 مرة في السنة، ولكن بعد أن تعرضت النباتات لهذه المادة، لا أعرف إذا كانت ستثمر مرة أخرى في المستقبل أم لا.

في السنوات الأخيرة أصبحنا معتادين على رشّ الجيش الإسرائيلي للمبيدات من الطائرات في هذا الموسم من السنة، على مقربة من الجدار الحدودي. في عام 2014 بعد الحرب الأخيرة، عانينا أيضًا من أضرار جسيمة في محاصيلنا بسبب وصول هذه الموادّ إلى أراضينا.

تقديري للخسارة الماليّة التي تكبّدتها، هو 5000 دولار تقريبًا، عدا عن ساعات العمل. سلطات الاحتلال الإسرائيليّ تطاردنا طيلة الوقت وتلحق الضرر بمصادر دخلنا. كذلك عانينا مرات كثيرة من إطلاق النار وعقبات أخرى نصبوها أمام عملنا. إنهم يعرّضون حياة أولادنا للخطر. قبل عامين أصيبَ أحد أبنائي برصاصة بينما كان يعمل في أرضنا. أصابت رصاصة له النخاع الشوكي وتسبب في إحداث شلل كامل له دمّر حياته.

إفادة علي سلامة أبو سوارين، 29 عاما، متزوج واب لأربعة، مزارع، من سكان منطقة المحاربة في دير البلح. سجل الإفادة محمد سعيد في تاريخ-29/12/2015:

أعمل في الزراعة ولدي ثمانية دونمات في منطقة القرارة، شمال شرق خان يونس. بالإضافة إلى ذلك، استأجرت قطعة أرض بمساحة 60 دونما في منطقة وادي السلقا، شمالي أرضي، وذلك بهدف زيادة دخلي.

تقع سبعة دونمات من أرضي على بعد200ـ300 متر من الجدار الحدودي. زرعت هذه الأرض منذ نحو شهرين، وذلك بالتنسيق مع الصليب الأحمر. أرسلوا إلي موظفين وعمالا، وكذلك جرارًا ومحراثًا عليهما أعلام الصليب الأحمر، وهكذا تمكّنا من حرث وزرع الأرض. يدور الحديث عن منطقة حظر علينا دخولها لحرث الأرض قبل عملية "الجرف الصامد". تقع بقية أرضي على بعد 400ـ600 متر من الجدار. زرعت 15 دونما من الكوسا، عشرة دونمات من البازلاء، عشرة دونمات من الفول، ستة دونمات من الملفوف وثمانية دونمات من السبانخ.

يوم الأربعاء الموافق 23/12/2015 في حوالي الساعة 8:00 صباحًا، عملت في الأرض المتواجدة في منطقة وادي السلقا. سقيت المحاصيل واعتنيت بها، فجأة رأيت طائرة زراعية صفراء تحلق على طول الجدار الحدودي بعلوّ مائة متر تقريبًا. أثناء تحليقها رشّت مادة كثيفة تناثرت مسافة مائة متر غربًا بسبب الريح ووصلت إلى أراضينا ونباتاتنا.

واصلت الطائرة تحليقها مسافة نحو كيلومتر واحد جنوبًا ثم استدارت وعادت. تواصل الرش نحو ساعتين. في اليوم التالي ظهرت بقع بيضاء على سيقان النباتات وأوراقها. من تلك اللحظة، كلما تعرضت النباتات لمزيد من أشعة الشمس زادت شدّة الضرر، إلى أن جفّت تمامًا. هذا ما حدث لمعظم المحاصيل والنباتات التي زرعتها، ولا سيما الأوراق، والتي لم تعد قابلة للبيع.

الأرض التي تقع على بعد 200ـ400 متر من الجدار هي المنطقة الأكثر تضررا من الرش. بقية الأراضي لحق بها ضرر ولكن بشكل أقلّ. لقد استثمرت الكثير من المال ومن ساعات العمل والجهد للوصول إلى هذه الأراضي وزراعتها وها قد خسرتها. الرش ليس أمرًا جديدا، فسلطات الاحتلال الإسرائيلية تلحق الضرر بنا وبمصادر رزقنا نحن وأطفالنا وسبل العيش في كل مرة تقوم بذلك. نشعر أنّها تقوم بذلك عن قصد.