قطاع غزة

4.2.10: تقرير إسرائيل المقدم للأمم المتحدة يخطئ الحقيقة

تم النشر في: 
4.2.10

يوم الجمعة، 29.1.10، قدمت إسرائيل إلى الأمم المتحدة تقريرا حول وضع التحقيقات التي تم الشروع بها في أعقاب حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة. التقرير الذي يضم 46 صفحة لا يشتمل على معلومات جديدة، باستثناء معطيات معدلة حول التحقيقات التي تم الشروع بها. وفقا لهذه المعطيات، فقد شرع الجيش الاسرائيلي لغاية اليوم في فحص 150 حالة ولم يتم الانتهاء من معظم الحالات التي يتم فحصها. بخصوص 36 حالة فقد تم فتح تحقيقات من قبل شرطة التحقيقات العسكرية فيما يتم فحص باقي الحالات في إطار التحقيقات العسكرية. هذا التقرير، على غرار المعلومات السابقة التي نشرتها جهات رسمية، لا يشتمل على تفصيل الحالات التي يتم فحصها وأين يقف التحقيق في كل حالة من بين الحالات.

جزء ملحوظ من التقرير يتركز في إثبات أهلية جهاز القضاء العسكري بخصوص المعالجة الذاتية للشكاوى الخاصة بتعاطي الجيش خلال الحملة. هكذا، فإن المشكلة الأساسية في هذه الأمور تكمن في أنها تعرض فقط جزءا من القصة وتتجاهل الطريقة التي يعمل بها هذا الجهاز على أرض الواقع.

فيما يلي بعض الأمثلة:

  • يتباهى التقرير بإقامة نيابة الشئون التنفيذية في العام 2007، وهو قسم تابع للنيابة العسكرية يعالج من بين ما يعالجه الشكاوى ضد الجنود الذين مسوا بالفلسطينيين. ولم يشر التقرير أن هذه الوحدة تعمل بقوى بشرية ناقصة وأنها تنهار بسبب الملفات المحولة لعلاجها، وانه في جزء من الحالات تمر أشهر طويلة وأحيانا سنوات إلى حين إصدار القرارات في الملفات. نتيجة لذلك، حتى لو صدر القرار في نهاية المطاف لفتح تحقيق من قبل شرطة التحقيقات العسكرية فإن التحقيق يكون غير ناجع وثمة شك إذا ما كان التحقيق سيؤدي إلى الكشف عن الحقيقة.



  • بخصوص شرطة التحقيقات العسكرية، جاء في التقرير أن الوحدة تضم مئات المحققين المتمرسين، بما في ذلك عناصر الاحتياط، الذين مروا بتأهيل خاص. غير انه بخصوص شرطة التحقيقات العسكرية فيما يتعلق بالتحقيق بالشكاوى التي يتقدم بها فلسطينيون توجد هناك مشاكل بنيوية كثيرة: لا يوجد لشرطة التحقيقات العسكرية قاعدة في الاراضي المحتلة، ولا يصل المحققون إلى ساحة الحدث ولا يتوفر لهم مختبر للتشخيص الجنائي. بالإضافة إلى ذلك، في معظم الحالات لا توجد للمحققين قدرة على الوصول إلى الضحايا الفلسطينيين بدون مساعدة من قبل منظمات حقوق الإنسان ومعظمهم لا يجيدون العربية. وقد امتنع معدو التقرير عن الإشارة إلى الحقيقة بأنه عند انتهاء التحقيق تنتظر الملفات فترات زمنية طويلة، وفي بعض الأحيان سنوات، كي يتم البت فيه من قبل النائب العسكري الرئيسي بخصوص استمرار معالجته. حتى في هذه الحالة، عندما يتم اتخاذ القرار في نهاية المطاف، تلحق العيوب بالإجراءات الناجعة.



  • حتى بالنسبة لكل ما يتعلق بالرقابة من قبل الجهاز المدني على الجهاز العسكري، فإن معدي التقرير يصورون جزءا من الصورة. وفقا لما جاء في التقرير، يبدو أن الرقابة وثيقة. وبدون التطرق إلى السؤال إذا ما كانت هذه الرقابة كافية، من المهم إظهار الحقائق بصورة دقيقة. على سبيل المثال، أشار معدو التقرير أن المستشار القضائي للحكومة يملك الصلاحية لفحص جميع القرارات الصادرة عن النائب العسكري الرئيسي، غير أنهم لم يشيروا إلى أن هذا التدخل نادر ويتم فقط في الحالات الاستثنائية. كما يشير التقرير أن محكمة العدل العليا تملك الصلاحية في إلغاء قرارات النائب العسكري الرئيسي ويسوق ثلاثة أمثلة على ذلك. ومع ذلك، من بين هذه الأمثلة الثلاثة، لم يتطلب تدخل محكمة العدل العليا في أحدها حيث عدل النائب العسكري الرئيسي عن رأيه قبل إصدار قرار الحكم. المثالان الباقيان استثنائيان وهما بالطبع لا يدلان على منهج بل هما قراران استثنائيان للغاية. ولم يشر معدو التقرير إلى ما يكرره قضاة محكمة العدل العليا بأنهم لن يسارعوا إلى التدخل في قرارات النائب العسكري الرئيسي.

لا يوجد أي جهاز، بما في ذلك جهاز القضاء العسكري، قادر على التحقيق مع نفسه في إدارته وتعاطيه. هناك تأكيد في التقرير على استقلالية جهاز القضاء العسكري فيما يتعلق بتفسير القانون. لكن، في جميع المواضيع الأخرى، فإن هذا الجهاز يشكل جزءا تكامليا من الجيش ولهذا فهو متعلق بالجهاز العسكري فيما يتعلق بالميزانيات، باعداد الوظائف وبالعروض الترويجية. هكذا، حصل آخر نائبين عسكريين على درجة ميجور جنرال من رئيس هيئة الأركان ومن الواضح أن جميع الضالعين في اتخاذ القرارات بخصوص معالجة الشكاوى يخضعون هم أيضا لهذا الجهاز.

علاوة على ذلك، بخصوص التحقيق في الشكاوى المقدمة بخصوص تعاطي الجيش خلال الحملة، فإن استقلال النيابة العسكرية تحوم حولها علامة استفهام كبيرة. لقد كانت النيابة العسكرية ضالعة في تحديد تعليمات إطلاق النار في حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة، وفي اتخاذ القرار فيمن هو هدف مشروع، المصادقة على استعمال أسلحة معينة وغيرها. على ضوء ذلك، إذا تبين أن هذه التحديدات تتناقض مع تعليمات القانون الإنساني الدولي، فمن المتوقع تقديم عناصر النيابة العسكرية ذاتهم للتحقيق والمحاكمة. في مثل هذا الوضع من الواضح انه لا يمكن إسناد التحقيق إليهم.

إن التحقيقات العسكرية هي الأداة الأساسية التي تفحص النيابة العسكرية من خلالها إدارة وتعاطي الجيش خلال الحملة على قطاع غزة. يتم إجراء هذه التحقيقات من قبل ضباط كبار داخل الجيش وهم يفتقرون إلى التأهيل المهني لإجراء مثل هذه التحقيقات وهم غير بعيدين عن الأشخاص الذين من المفترض لهم التحقيق معهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن التحقيقات الميدانية تبقى سرية حتى بعد انتهائها بحيث لا توجد أي طريقة لفحص الأسئلة التي طرحت خلال التحقيقات ومدى جدية التحقيقات.

تدور التحقيقات الميدانية والتحقيقات التي تقوم بها شرطة التحقيقات العسكرية حول حالات معينة فقط. إن الفرضية التي تنطلق منها التحقيقات هي أن الجنود عملوا من خلال إطار قانوني وما تبقى سوى فحص إذا ما كانوا شذوا عن التعليمات التي أعطيت لهم. غير أن هذه الفرضية مغلوطة من الأساس. إن جزءا ملحوظا من الاشتباهات بخصوص انتهاكات القانون الإنساني الدولي خلال الحملة تتناول جزئيات تتعلق بالمنهج والسياسة التي تم إملاؤها على الجنود. هكذا على سبيل المثال، فإن الحسم والبت فيمن يُعتبر هدفا مشروعا، الأسلحة المسموح باستعمالها وغيرها، تم البت فيها مسبقا قبل الحملة. إن مسالة قانونية هذه القرارات لم يتم فحصها مطلقا في إطار التحقيقات التي يقوم بها الجيش الآن. إن هذا الأسلوب من التحقيق، الذي لا يتم في إطاره فحص القضايا المتعلقة بالسياسة، يقود في معظم الحالات إلى وقوع المسئولية عن الانتهاكات على كاهل الجنود في الميدان فيما يُعفى الضباط الكبار والمستوى السياسي من المسئولية عن إصدار التعليمات.

لغاية اليوم، بعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحملة، قادت كل جهود التحقيق التي قامت بها إسرائيل إلى تقديم جندي واحد فقط للمحاكمة، حيث حكم عليه بالسجن لمدة سبعة أشهر جراء سرقة بطاقة اعتماد من فلسطيني. نظرا لأن جهات رسمية أعلنت منذ اليوم الأول تقريبا للحملة، وبضمنهم وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، بان الجيش الإسرائيلي هو "الجيش الأكثر أخلاقا في العالم"، لا غرابة بأن تقود التحقيقات التي أجراها الجيش إلى هذه النتيجة.

بتسيلم تدعو إسرائيل مرة أخرى إلى القيام فورا بتشكيل جهاز تحقيق مستقل يكون مكونا من عناصر من خارج الجيش. في إطار التحقيق يجب عدم الاكتفاء فقط بالتحقيق مع الجنود في الميدان بل أيضا التعليمات التي صدرت لهم وكذلك السياسة التي تمت بلورتها من قبل المستوى العسكري الرفيع والمستوى السياسي.

warning: htmlspecialchars() expects parameter 1 to be string, array given in /var/www/www.btselem.org/htdocs/includes/bootstrap.inc on line 860.