قطاع غزة

مرور سنة على حملة "الرصاص المصبوب": لا حساب ولا محاسب

تم النشر في: 
27.12.09

بين 27.12.08 ولغاية 18.1.09 أدار الجيش هجوما على قطاع غزة سمي حملة "الرصاص المصبوب". وقد كان حجم المس بالسكان المدنيين في قطاع غزة غير مسبوق ووصل إلى 1.384 قتيل، من بينهم 762 مدنيا لم يشاركوا في القتال، ومن بينهم 318 قاصرا عمرهم أقل من 16 عاما. وقد وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى أكثر من 5.300، من بينهم 350 مصابا بجروح بالغة. كما ألحقت إسرائيل ضررا بالغا بالبيوت السكنية، المباني الصناعية، القطاع الزراعي وكذلك البني التحتية الخاصة بشبكة الكهرباء، شبكة الصرف، المياه والصحة التي كانت على وشك الانهيار قبل الحملة. طبقا لمعطيات الأمم المتحدة، فقد هدمت إسرائيل أكثر من 3.500 بيتا سكنيا فيما بقي حوالي 20.000 شخصا بلا مأوى.

خلال الحملة أطلق الفلسطينيون صواريخ وقذائف هاون تجاه إسرائيل، بهدف صريح وهو المس بالمدنيين الإسرائيليين. وقد أسفرت عمليات الإطلاق عن مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين وأصيب العشرات بجروح. كما قتل داخل القطاع تسعة جنود، من بينهم أربعة نتيجة إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي. وقد أصيب أكثر من مائة جندي، من بينهم جندي أصيب بجراح بالغة وأصيب عشرون جنديا بجراح ما بين متوسطة- بالغة.

كمنظمة إسرائيلية، فإن بتسيلم تركز على أعمال إسرائيل ومسئوليتها عن المس بحقوق الإنسان، غير أنه صدرت عن حماس أيضا خلال الحملة انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي. إن نمط عمل حماس داخل التجمعات المدنية الفلسطينية ينعكس بلا شك على قانونية الهجمات التي قامت بها إسرائيل والتي سببت المس بالمدنيين. ومع هذا، ليس من شأن هذا شرعنة جميع العمليات التي قام بها الجيش الإسرائيلي بصورة جارفة خلال حملة "الرصاص المصبوب" أو الإثبات بأن حماس تتحمل وحدها المسئولية عن أي مس بالمدنيين.

بعد مرور سنة على الحملة، فإن هناك مناطق واسعة داخل قطاع غزة لم يتم ترميمها بعد. إن المنع الجارف الذي تفرضه إسرائيل على إدخال المواد الخام للبناء إلى داخل القطاع يمنع ترميم البيوت التي هدمت ولحق بها الضرر، وما يزال هناك أكثر من 20.000 شخص يسكنون باكتظاظ في شقق مستأجرة، لدى أقارب أو مخيمات. إن هذا المنع يحول دون ترميم البنى التحتية التي أصيبت خلال الحملة. هكذا، فإن حوالي 90% من سكان غزة يعانون من انقطاع الكهرباء بين أربع ساعات إلى ثماني ساعات يوميا، وهذا بسبب المس بالبنى التحتية وكذلك بسبب النقص الحاد في الوقود الصناعي. بالنسبة لحوالي 10.000 شخص في شمال قطاع غزة لا يوجد وصول إلى الماء المُسال فيما يسيل يوميا حوالي ثمانين مليون لتر من المجاري الخام والمجاري المعالجة جزئيا إلى المناطق المفتوحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجهاز الصحي يواجه صعوبات في العمل في أعقاب نقص المعدات الطبية ويواجه المصابون بالأمراض الصعبة مشكلة في الحصول على العلاج الطبي الذي يحتاجونه.

ومع أن المس البالغ بالسكان المدنيين في قطاع غزة والضرر الكبير الذي لحق بالممتلكات لا يشكل بحد ذاته دليلا على أن الجيش الإسرائيلي انتهك القانون الإنساني الدولي، إلا أن التحقيقات التي قامت بها بتسيلم خلال الحملة وبعدها والمعلومات التي توفرت من مصادر

أخرى كثيرة تثير الشكوك بخصوص تصريحات الجهات الرسمية بأن الجيش عمل حسب القانون. إن الاشتباهات بخصوص انتهاك القانون الإنساني الدولي لا تتناول فقط تصرفات جندي هنا أو هناك بل تتناول أساسا موضوع السياسة. في جزء من الحالات هناك اشتباه راسخ بأن المس بالمدنيين نبع من انتهاك مبادئ التمييز والتناسب التي تهدف إلى ضمان بقاء المدنيين خارج دائرة القتال.

بناء على ذلك، يقع على إسرائيل واجب القيام بتحقيق مستقل وموثوق، وعدم الاكتفاء بالتحقيقات الميدانية الداخلية أو بتحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية القليلة التي تتركز في عدد مقلص من الحوادث

ومسئولية القادة من ذوي الرتب الدنيا نسبيا. إن مثل هذا التحقيق مستوجب حسب القانون، لكنه ضروري أيضا بحكم حق الجمهور في معرفة ما جرى باسمه في قطاع غزة .

عند انتهاء الحملة توجهت منظمات في مجال حقوق الإنسان، وبضمنها بتسيلم، إلى المستشار القضائي للحكومة وطالبت ببناء جهاز تحقيق مستقل لفحص سلوك الجيش خلال الحملة، إلا أن الطلب رُفض.في شهر آذار 2009، عاودت المنظمات التوجه من جديد حول الموضوع، غير أنها جوبهت بالرفض هذه المرة أيضا. بعد نشر تقرير جولدستون، في أيلول 2009، تم نشر طلب مشترك لإجراء تحقيق إسرائيلي، مستقل وناجع.

لغاية اليوم لم يتم بناء جهاز تحقيق مستقل يتمتع أيضا بصلاحية التحقيق في مسئولية صناع القرار على المستويين السياسي والعسكري. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، فقد فتح لغاية اليوم 19 تحقيقا من قبل شرطة التحقيقات العسكرية عن أحداث مختلفة تنطوي على اشتباه بأن الجنود في الميدان عملوا على النقيض من تعليمات الجيش. لغاية اليوم تم تقديم جندي واحد إلى المحاكمة جراء الأحداث المرتبطة بحملة "الرصاص المصبوب"، حيث تمت إدانة جندي بسبب سرقة بطاقة اعتماد وحكم عليه بالسجن لمدة سبعة أشهر.

إن التحقيقات التي تجريها اليوم شرطة التحقيقات العسكرية لا تستوفي التزامات إسرائيل ولا يمكن الاكتفاء بها لأنها وإن قادت إلى تقديم لوائح اتهام ضد الجنود، فإنها تتناول الرتب الدنيا فقط ولن تتم مسائلة المسئولين عن بلورة السياسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التحقيقات تتم من قبل جهة تشكل جزءا لا يتجزأ من الجيش، ولهذا فهي بطبيعة الأمر، ليست تحقيقات مستقلة وغير متعلقة.