قطاع غزة

20.2.09: الجيش ينكر النتائج الرهيبة لاستعمال الفوسفور الأبيض في حملة الرصاص المصبوب

نشرت مؤخرا استنتاجات التحقيق العسكري حول استعمال الفوسفور الأبيض من قبل الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب. وفي أعقاب النشر توجهت بتسيلم إلى النائب العسكري الرئيسي وطالبت الجيش بالتوقف تماما عن استعمال الذخائر التي تحتوي على الفوسفور لأي غرض في قطاع غزة، بما في ذلك لأغراض الحصول على شاشة تمويه دخانية.

كما طالبت بتسيلم الجيش بإجراء تحقيق أساسي في جميع الحالات التي تم خلالها استعمال الفوسفور خلال حملة الرصاص المصبوب، من خلال التعاطي مع تعليمات القانون الإنساني الدولي التي تتناول هذه الذخائر.

يتضح من الفحص الذي أجرته بتسيلم انه لا توجد معطيات دقيقة حول عدد القتلى والجرحى جراء الإصابة بالفوسفور خلال الحملة، ويعود السبب في ذلك، من بين ما يعود، إلى أن الأطباء في مستشفيات غزة لم يستطيعوا تشخيص مسبب الإصابات ونظرا لأن التوثيق الطبي خلال الحملة كان جزئيا بسبب الضغط الكبير الذي تعرضت له المستشفيات.

وقد حققت منظمة Human Rights Watch (HRW) في ستة حالات واتضح أن ما لا يقل عن 13 فلسطينيا قتلوا جراء الإصابة بالفوسفور، ومن بينهم أربع نساء وسبعة أولاد، بما في ذلك رضيعة عمرها سنة واحدة. بالإضافة إلى ذلك، فقد سبب استعمال الفوسفور أضرارا كبيرة بالممتلكات وهناك توثيقات تتعلق بالحرائق التي اندلعت في أنحاء قطاع غزة نتيجة استعمال الفوسفور خلال قصف البيوت ومنشآت الأمم المتحدة ومستودعات المساعدات الإنسانية.



الاعتداء بالفسفور على مدرسة الانروا في بيت لاهيا، 17.1.09. تصوير: محمد البابا.

إن الفوسفور يحرق كل شيء يلامسه: انه يسبب الحروق البالغة عندما يصيب الإنسان. إن الإصابة بالحروق نتيجة الفوسفور رهيبة بصورة خاصة لأن المادة تستمر بالاشتعال ما دامت تتعرض للأوكسيجين ولهذا فإن الحروق تستمر بالتغلغل إلى أنسجة الجسم. وحتى لو نجح الأطباء بإزالة النسيج المصاب فإنه يتم امتصاص الفوسفور في الدم ويسبب التسمم في الأعضاء الباطنية. إحدى المصابات بالفوسفور في قطاع غزة، غادة أبو حليمة، توفيت متأثرة بجراحها بعد مرور أسابيع طويلة على إدلائها بإفادة حول الحادثة التي قتل فيها خمسة من بين أفراد أسرتها نتيجة قصف مدفعي بقذيفة فوسفور.

خلال الحملة نفت جهات رسمية أن الجيش يستعمل هذه الذخيرة. ومع ازدياد التقارير حول هذا الأمر وتوزيع الصور التي تُثبت العكس، اضطرت الجهات الرسمية إلى الاعتراف بأن الجيش يستعمل الفوسفور، لكنهم أصروا على أن الاستعمال قانوني، طبقا لتعليمات القانون الإنساني الدولي.

وقد نشرت مؤخرا نتائج التحقيق الذي قام به الجيش بخصوص "الذخيرة التي تحتوي على مكونات الفوسفور". وقد ثبت في التحقيق أن الجيش استعمل نوعين من الذخيرة التي تحتوي على الفوسفور خلال الحملة. النوع الأول، الذي تم استعماله بصورة مقلصة، عبارة عن قذائف تحتوي على الفوسفور كمكون أساسي. وقد تحدد في التحقيق أن هذه القذائف لا تهدف إلى إحداث شاشة تمويه دخانية، ومع ذلك فقد تحدد في التحقيق أن استعمالها تم طبقا للقانون الدولي حيث تم إطلاقها فقط نحو المساحات المفتوحة و"لم تطلق ذخائر الفوسفور نحو مساحات مبنية أو ضد البشر". ومن باب التساهل، فقد قرر الجيش التوقف عن استعمال هذه الذخيرة.

أما النوع الثاني من ذخائر الفوسفور التي استعملها الجيش الإسرائيلي بكثرة طبقا للتحقيق فهي الذخائر التي تحتوي على مكونات منقوعة بالفوسفور. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، فإن معظم الإصابات التي لحقت بالمدنيين والممتلكات جراء استعمال الفوسفور وقعت بسبب استعمال هذا النوع من الفوسفور.

وقد تحدد في التحقيق أن استعمال هذه الذخيرة يهدف فقط إلى الحصول على شاشة تغطية دخانية. وعلى ضوء ذلك، كما تحدد في التحقيق، لا تسري على هذه الذخيرة القيود الخاصة المحددة في القانون الدولي بخصوص استعمال الذخائر التي تسبب الاشتعال وهي في كل الأحوال مسموح بها طبقا للقانون الدولي. وأضاف معدو التقرير أن البروتوكول الثالث من اتفاقية جنيف بخصوص الأسلحة التقليدية "يحدد بصورة صريحة أن وسائل التغطية بالدخان لا تعتبر سلاحا يسبب الاشتعال". وفي الختام تحدد في التقرير أن استعمال هذا السلاح كان "لأغراض عسكرية فقط... من خلال الموازنة بين الاحتياجات العسكرية والاعتبارات الإنسانية".

إن نتائج التحقيق تثير الشك بخصوص استعداد الجيش لإجراء فحص جدي للادعاءات بخصوص عمليات الجيش وإدارته خلال الحملة. إن الأمور المنشورة منفصلة تماما عن التأثيرات التي كانت على الأرض بخصوص استعمال الفوسفور ولم يشر التحقيق ولا حتى مرة واحدة إلى المس بالبشر، البنايات والمساحات الزراعية، وكأنما يدور الحديث عن تمرين نظري في القانون الدولي. إن الادعاءات بأن استعمال الفوسفور كان "بمنظومة لا تهدف إلى المس بالبشر أو التسبب بالحرائق"، وأنه كان "فقط لأهداف دخان التعمية" وأنه تم "لأغراض عسكرية فقط"، منقطعة تماما عن النتائج على الأرض من حيث استعمال الفوسفور إلى حد أن الأمر يثير علامات التساؤل بخصوص المواد التي توفرت لمعدي التحقيق أو بالمعاوضة فيما يتعلق بالتزامهم بالحقيقة.

علاوة على ذلك، فإن الأشياء الواردة في التحقيق مبنية على فهم خاطئ لتعليمات القانون الإنساني الدولي. إن التحديد أن هذه الذخيرة لا تعتبر "سلاحا يسبب الحرائق" حيث استعملها الجيش لغرض التموية بالدخان هو تحديد خاطئ. إن التحديد إذا ما كان السلاح "سلاحا يسبب الحرائق" يستند إلى فحص موضوعي لماهية السلاح، تأثيراته الكيماوية ونتائج استعماله. إن الأسئلة الخاصة بنوايا من استعمله والأهداف التي أراد تحصيلها بواسطته ليست بذات صلة فيما يتعلق بتحديد نوع السلاح والقيود التي تسري على استعماله.

كما أن الحقائق، كما عُرضت في التحقيق، ليست صحيحة والتحديد بأن استعمال هذه الذخيرة كان "فقط لغرض التمويه بالدخان" لا يستوفي اختبار الواقع. في عدة حالات على الأقل، قام الجيش بتفجير الفوسفور في الهواء فوق مناطق مكتظة، في ملابسات من غير الواضح فيها ماذا كان المبرر لتوليد شاشة الدخان نظرا لأن الجنود لم يتواجدوا في المنطقة. هذا ما وقع، على سبيل المثال، في الهجوم على مقر الأونروا في وسط مدينة غزة بتاريخ 15.1.09. يتضح من تحقيق HRW أنه قرابة الساعة العاشرة صباحا، سقطت داخل المقر ست قذائف، احتوت ثلاث منها على الأقل على الفوسفور. نتيجة لذلك احترق مستودعان كانا يحتويان على المواد الغذائية، المعدات الطبية والمعونات الإنسانية. مثال إضافي يتعلق بالهجوم على المدرسة التابعة للأمم المتحدة في بيت لاهيا بتاريخ 17.1.09. طبقا لمنظمة HRW ، قرابة الساعة السادسة صباحا، أطلق الجيش ما لا يقل عن ثلاث قذائف من الفوسفور الأبيض تجاه المدرسة مما أسفر عن مقتل ولدين.

وفي الختام، وحتى بعد نشر نتائج التحقيق، لا يزال من غير الواضح لماذا اختار الجيش بالذات استعمال الذخيرة التي تخلف نتائج مروعة. إذا كان استعمال هذه الذخيرة يهدف فقط إلى توليد شاشة من الدخان من أجل حماية الجنود، يبدو أنه كان بالإمكان تحصيل هذا الهدف من خلال استعمال قذائف الدخان التي يمتلكها الجيش على ما يبدو. إن هذه الحقيقة التي تجاهلتها الجهات الرسمية تعزز الشك بأن اختيار الفوسفور لم يكن فقط لأغراض الحصول على شاشة دخانية بل لغرض تحصيل أهداف أخرى غير قانونية.

مع أن القانون الإنساني الدولي لا يحظر استعمال الذخيرة التي تحتوي على الفوسفور، لكن بسبب تأثيراته القاسية والأضرار الكبيرة التي يمكن أن يُلحقها، تم تحديد قيود كثيرة على استعماله. هكذا، فإن البروتوكول الثالث من الاتفاقية الخاصة بالأسلحة التقليدية التي تسبب ضررا فائضا يُعنى بالحظر أو تقييد استعمال السلاح المشتعل ضد المدنيين، بما في ذلك الفوسفور. وتحدد في البروتوكول انه يحظر تماما استعمال السلاح المشتعل ضد المدنيين وانه يمنع استعماله ضد الأهداف العسكرية، عندما يتم الإطلاق من الجو وعندما تكون هذه الأهداف وسط السكان المدنيين.

إن إسرائيل لم توقع على البروتوكول الثالث، غير أن القواعد المحددة فيه تستند إلى مبادئ عرفية تُلزم إسرائيل، ومن بينها مبدأ التمييز، مبدأ التناسب، المبدأ الخاص بحظر استعمال سلاح يؤدي بطبيعته إلى المعاناة الزائدة وواجب إتباع جميع وسائل الحيطة والحذر المتوفرة لدى الأطراف المتقاتلة من أجل منع المس بالمدنيين. إن استعمال الفوسفور وسط السكان المدنيين في مناطق مكتظة، كما هو الحال في قطاع غزة، يُعتبر خرقا لهذه المبادئ ولهذا فهو ممنوع تماما في ظل الظروف الخاصة القائمة في قطاع غزة.

على ضوء ذلك، حتى الادعاء الوارد في التحقيق بأن استعمال هذه الذخيرة تم من "خلال الموازنة بين الاحتياجات العسكرية والاعتبارات الإنسانية" هو اعتبار خاطئ ويدل على عدم فهم تعليمات القانون الإنساني الدولي أو التساذج. نظرا لأنه من المحظور استعمال الفوسفور في الظروف القائمة في قطاع غزة، لا معنى للموازنة بين الاحتياجات العسكرية وبين الاعتبارات الإنسانية. هذا فضلا عن عدم إثبات الاحتياجات العسكرية المستعجلة التي تستوجب استعمال الفوسفور بالذات.

جاء في ختام التحقيق أن رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي نشر توجيها يقوم على "استعمال ذخيرة الفوسفور التي لا تهدف إلى إحداث شاشة دخان سيكون استثنائيا". هذا تصريح ضبابي ومن غير الواضح ما هي الحاجة الإضافية التي ينوي الجيش فيها استعمال الفوسفور.

على ضوء المذكور أعلاه، تطالب بتسيلم الجيش بالتوقف تماما عن استعمال الذخيرة التي تحتوي على الفوسفور في قطاع غزة لأي غرض كان.

Similar videos