منذ بدء الحملة العسكرية في قطاع غزة يوم السبت، 27.12.08، قصف الجيش الإسرائيلي عشرات البيوت، المباني العامة ومنشآت مختلفة في أنحاء قطاع غزة.
مبدأ التمييز، الذي يقع في صلب القانون الإنساني الدولي، يحدد بأنه يتوجب على الأطراف المتقاتلة التمييز بين الأهداف المدنية وبين الأهداف العسكرية ويحظر عليها المس بصورة مقصودة بالمدنيين والأهداف المدنية. وقد تحدد في البروتوكول الأول الملحق باتفاقية جنيف أنه من أجل اعتبار هدف ما بمثابة هدف عسكري مشروع يجب أن يتحقق شرطان: المساهمة بصورة فعالة في عمل عسكري وأن يكون هدفا بحيث يمنح هدمه أو تحييده لمن يمس به أفضلية عسكرية واضحة وصريحة.
غير أن التصريحات الصادرة عن بعض الجهات الرسمية خلال الأيام الأخيرة تثير الخشية من أن الجيش لا يحافظ على هذا التمييز خلال الهجمات في غزة. هكذا على سبيل المثال قال رئيس الحكومة بأن "إسرائيل لا تحارب الشعب الفلسطيني بل منظمة حماس التي ترفع راية قتال إسرائيل. طبقا لذلك، فقد تم اختيار الأهداف التي هوجمت اليوم مع التأكيد على ضرورة الامتناع عن المس بالأبرياء". وفي المقالة التي نُشرت أمس في صحيفة "واشنطن بوست" جرى اقتباس مصدر عسكري رفيع قال ما يلي: "هناك مناح كثيرة لحركة حماس ونحن نحاول المس بالنسيج كله لأن الكل مترابط والكل يدعم الإرهاب ضد إسرائيل". أما الرائد افيطال لايبوفيتش من وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فقد أبلغت المراسل بأن الجيش قام فعلا بتوسيع قائمة الأهداف مقارنة مع الحملات السابقة، بدعوى استعمال حماس النشاطات المدنية كغطاء للنشاطات العسكرية. ومن هنا، وفقا لادعائها، "فإن كل ما يرتبط بحماس يعتبر هدفا مشروعا".
يفهم من هذه الأقوال أن الحملة في غزة موجهة ضد كل جهة مرتبطة بأي شكل مع حماس، حتى لو كانت هذه الجهة لا تُعنى بالعمل العسكري ضد إسرائيل. إن فحص المواقع التي تم استهدافها خلال الأيام الأخيرة يثير علامات السؤال بخصوص قانونية المس بالعديد منها.
هكذا على سبيل المثال قام الجيش بقصف المبنى الرئيسي للشرطة في غزة وقتل، وفقا للتقارير، 42 فلسطينيا كانوا في دورة إعداد وتأهيل وكانوا يقفون في ذلك الوقت في طابور. في إطار الدورة يتعلم المشاركون الإسعاف الأولي، معالجة الإخلال بالنظام العام، حقوق الإنسان وتمارين الانتظام وغيرها. بعد ذلك يتوزع رجال الشرطة على الأذرع المختلفة الخاصة بالشرطة في قطاع غزة المسئولة عن الحفاظ على النظام.
مثال إضافي يتعلق بقصف الوزارات الحكومية يوم أمس، بما في ذلك وزارة الخارجية ووزارة العمل ووزارة البناء والإسكان. وجاء في رد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن هذا الاستهداف جاء "ردا على إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون المستمر من قبل حماس تجاه الأراضي الإسرائيلية وفي إطار عمليات الجيش الإسرائيلي للمس بالبنى التحتية الخاصة بحكومة حماس ونشطاء التنظيم".
هذه فقط بعض الأمثلة على المواقع التي تبدو ظاهريا أهدافا مدنية واضحة وقد أقدم الجيش على استهدافها. ظاهريا، فإن النشاطات التي تتم في هذه الأماكن ليست نشاطات عسكرية موجهة ضد إسرائيل ولم يدعي هذا أبدا المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي. من الواضح إذا أنه لا يمكن اعتبار هذه الأهداف بمثابة أهداف عسكرية طبقا للمعايير المحددة في القانون الإنساني الدولي- وهي لا تساهم مساهمة فعالة في العمليات العسكرية ضد إسرائيل ومن الواضح أن استهدافها لن يمنح إسرائيل أية أفضلية عسكرية، ولا حتى أفضلية عسكرية واضحة وصريحة.
إن حماس مسئولة عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل وهو ما يشكل جريمة حرب. لكن بطبيعة الأشياء ولأن حماس تمسك بزمام الأمور في قطاع غزة فإن حماس مسئولة عن انتظام الحياة هناك. وبهذا الشكل، ينبغي على حماس مراقبة أداء جميع المنظومات المدنية في القطاع- ومن بينها جهاز الرفاه، الصحة، الإسكان والقانون- وضمان توفير النظام العام بواسطة قوات الشرطة. لهذا، حتى لو كانت حماس "كيانا معاديا" يهدف أساسا إلى تقويض وجود دولة إسرائيل، لا يمكن أن نجتزئ من هذا أن كل عمل تقوم به يهدف إلى المس بإسرائيل وأن كل وزارة حكومية هي هدف مشروع.
إن الادعاء بأن المس بمثل هذه الأهداف يتفق مع تعليمات القانون الإنساني الدولي لا أساس له. إن هذا التفسير، الذي يعتبر هذه الهيئات بمثابة أهداف عسكرية، يوسع تعليمات القانون الإنساني الدولي بصورة لا تتفق مع التعليمات التي وردت أعلاه وهي تتناقض مع مبدأ التمييز الذي يقع في صلب القانون الإنساني الدولي. إن المس المتعمد بالأهداف المدنية يعتبر جريمة حرب.



