منذ بداية الانتفاضة الثانية، تفرض إسرائيل قيوداً قاسية على حرية الحركة من قطاع غزة وإليها. في إطار هذه السياسة، تم فصل قطاع غزة والضفة الغربية عن بعضهما البعض بشكل يكاد يكون تاماً، وتم تقليص حركة الفلسطينيين بينهما بشكل حاد. حظر دخول سكان القطاع إلى إسرائيل بهدف الزيارات العائلية أو من أجل لمّ شمل الأزواج، كما تم تقليص زيارات المواطنين والسكان من عرب إسرائيل إلى غزة إلى الحد الأدنى. وضعت إسرائيل صعوبات على جميع السكان عند الذهاب إلى الخارج ومنعت الكثيرين من الخروج مطلقا.
تم تقييد استيراد وتصدير البضائع وفي أحيان متقاربة تم إيقافه تماماً. إضافة إلى ذلك، سمح لعدد قليل من سكان القطاع بالعمل في إسرائيل وقد خسر عشرات الآلاف مصادر رزقهم. أدت القيود التي فرضتها إسرائيل على حركة البضائع والعمال إلى ركود اقتصادي عميق في القطاع، المس بالقدرة على العمل وإلى تدنّ حاد في ظروف المعيشة. ارتفعت نسبة الفقر في القطاع في هذه الفترة إلى أكثر من أربعين بالمائة.
في أيلول 2005، أكملت إسرائيل تنفيذ "خطة الانفصال" التي شملت تفكيك جميع المستوطنات في قطاع غزة، إخلاء سكانها إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وسحب القوات العسكرية من مناطق القطاع. لدى إتمام الخطة، أصدرت إسرائيل أمراً أعلنت فيه عن انتهاء الحكم العسكري في قطاع غزة وبالتالي طلبت إعفاءها من المسئولية على سلامة ورفاهية سكان القطاع. بالتالي تجاهلت إسرائيل الواقع الصعب الذي كان سائداً في القطاع في أعقاب احتلالها المتواصل له، ومن الطوق الذي فرضته عليه على مدار أكثر من عقد من الزمان ومن تعلق الاقتصاد الفلسطيني بسوق العمل الإسرائيلي والتجارة الخارجية معه.
أدى انسحاب الجيش من منطقة القطاع وتفكيك المستوطنات إلى تحسن ملحوظ في حرية الحركة للسكان الفلسطينيين داخل منطقة قطاع غزة. مع ذلك، حتى بعد تنفيذ "خطة فكّ الارتباط"، لا تزال إسرائيل تسيطر على المعابر إلى إسرائيل وعلى المجال الجوي والبحري للقطاع، كما أن القرار المتعلق بحركة السكان والبضائع إلى داخل القطاع وخارجه بقي بين يديها. صحيح بأن معبر رفح كان يعمل لمدة سبعة أشهر بعد "فكّ الارتباط" في أعقاب الاتفاق بين إسرائيل وبين السلطة الفلسطينية وسمح بالعبور إلى مصر، غير أنه أغلِقَ بعد خطف الجندي جلعاد شليط في حزيران 2006.
في حزيران 2007، بعد استيلاء حماس على قطاع غزة، أحكمت إسرائيل سيطرتها أكثر فأكثر على المعابر ومنذ ذلك الوقت تقريبا لا يوجد للفلسطينيين إمكانية للخروج من القطاع أو الدخول إليه، تصدير واستيراد البضائع. بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر من ذلك، وكرد فعل على استمرار إطلاق صواريخ القسام وقذائف الهاون باتجاه إسرائيل، قرر المجلس الوزاري المصغر تعريف القطاع على أنه "كيان معادي" واتخاذ خطوات العقاب الجماعي، والتي شملت تقليص تزويد الكهرباء والوقود إلى قطاع غزة.
أدى الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة إلى انخفاض ملحوظ في قدرة السكان على الحصول على المواد الغذائية الأساسية والأدوية وإلى ارتفاع أسعارها. أغلقت معظم المصانع في القطاع ومئات المصالح الخاصة أبوابها. في سنة 2009، وصل عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة إلى حوالي 140,000 والذين يشكلون حوالي %40 من الأيدي العاملة. تمس هذه السياسة بحق سكان القطاع في العمل وكسب الرزق بكرامة كما تمس في حقهم بالعيش الكريم.
بعد تطبيق "خطة فكّ الارتباط"، استمرت بعض المنظمات الفلسطينية بإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون باتجاه المستوطنات الإسرائيلية المجاورة للخط الأخضر، بشكل يتنافى مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، والتي تعتبر إطلاق النار المتعمد ضد المدنيين جريمة حرب. منذ شهر أيلول 2005، وحتى أواخر شهر تشرين ثاني 2009، أصيب 11 مواطنا إسرائيليا من جراء ذلك.
من جانبها، استخدمت إسرائيل العديد من الوسائل. من ضمنها، أطلق الجيش نيران الدبابات باتجاه المناطق التي عرّفها على أنها "مناطق إطلاق صواريخ القسام" والمناطق المجاورة للحدود التي تم تعريفها على أنها "مناطق الموت"، حيث سمحت تعليمات فتح النار بإطلاق النار على الفلسطينيين المتواجدين فيها، حتى وإن لم يكونوا يشكلون خطرا على الحياة. إلى جانب ذلك، زادت إسرائيل من عمليات اغتيال الفلسطينيين في قطاع غزة بحجة أنهم متورطون في الهجمات ضد إسرائيل. في اطار هذه السياسة، قتلت إسرائيل أيضا العديد من المارّة. وفقا لمعطيات بتسيلم فقد قتلت إسرائيل منذ بدء تطبيق "خطة فكّ الارتباط" وفي اطار مثل هذه العمليات 52 ماراً ومن ضمنهم 27 قاصراً.
على مر السنين التي مضت منذ "خطة الانفصال" دخل الجيش إلى داخل قطاع غزة في اطار عدة حملات. هكذا، في أعقاب خطف الجندي جلعاد شليط في 26.6.06، بدأت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق أطلق عليها "أمطار الصيف". شملت الحملة من ضمن ما شملته قصف البنى التحتية المدنية والتوغل إلى المراكز المكتظة بالسكان. منذ تلك الحملة شنت إسرائيل هجمات داخل منطقة القطاع عدّة مرات.
في اطار جميع عمليات إسرائيل هذه، قتل في قطاع غزة حتى 26.12.08، 522 فلسطينيا ممن لم يشاركوا في القتال. من ضمنهم 195 قاصراً، 49 امرأة و-25 رجلا ممن يزيد عمرهم على 50 عاماً.
في 27 كانون أول 2008، شنت إسرائيل أوسع حملاتها، والتي أطلقت عليها اسم "الرصاص المصبوب" والتي استمرت حتى 18.1.2009. المساس بالسكان المدنيين الفلسطينيين خلال هذه الحملة لم يكن له مثيل – قتل 1,389 فلسطينيا، من بينهم 759 مدنيا ممن لم يشاركوا في القتال كما أصيب الآلاف. إلى جانب ذلك، أحدثت إسرائيل أضرارا بالغة للمباني ولمنشآت البنية التحتية. من ضمن ذلك، ألحقت إسرائيل أضرارا بالمنشآت الخاصة بالكهرباء، الماء ومياه الصرف الصحي والتي كانت على وشك الانهيار أصلا قبل بدء الحملة وتسببت بشلّها. حسب المعطيات الواردة من الأمم المتحدة فقد دمرت إسرائيل أكثر من 3,500 مبنى سكني وقد بقي الكثيرون من الاشخاص دون مأوى ودون منزل يعودون إليه.
على النقيض من موقف إسرائيل بأنه بعد "خطة الانفصال" فإنها ليست مُلزمة بعد بالاهتمام بسلامة ورفاهية سكان القطاع، فإن القانون الدولي يفرض على إسرائيل واجبات معينة. حسب قانون حقوق الانسان، فإن إسرائيل ملزمة بأن تحترم حقوق سكان القطاع في المجالات التي بقيت السيطرة عليها بين أيديها. تنبع هذه الواجبات من حجم سيطرتها الفعلية على النواحي الأساسية لحياة سكان القطاع أيضا بعد "خطة الانفصال" وأيضا من التعلق المطلق تقريبا لاقتصاد القطاع بالاقتصاد الإسرائيلي نتيجة للاحتلال المتواصل .
عندما يدور في القطاع صراع مسلح، تسري على إسرائيل أيضا أحكام القانون الإنساني الدولي، والذي يقضي بأنه يجب إبقاء المدنيين خارج دائرة القتال. هذان المبدءان الأساسيان- مبدأ التمييز ومبدأ التناسب– يهدفان إلى ضمان ذلك. وفقا لهذه المبادئ، يسري حظر تام على الهجمات الموجهة إلى المدنيين حتى عندما تكون الهجمة موجهة إلى هدف عسكري، ويحظر أن تكون الإصابة المتوقع الحاقها بالمدنيين مبالغة مقارنة بالجدوى العسكرية المباشرة المتوقعة منها. إضافة لذلك، على إسرائيل ان توفر خلال القتال حماية خاصة لفئات معينة ومن ضمنها المرضى، الجرحى، والأطفال، وأن تسمح بمرور الأدوية والمواد الغذائية الحيوية والسماح للطواقم الطبية بتقديم المساعدة للجرحى والمرضى.



