خلفية عن قطاع غزة

تم النشر في: 
1.1.11
تم التعديل في: 
12.5.13

منذ بداية الانتفاضة الثانية، تفرض إسرائيل قيوداً قاسية على حرية الحركة من قطاع غزة وإليه. وفي إطار هذه السياسة، تم فصل قطاع غزة والضفة الغربية عن بعضهما البعض بشكل يكاد يكون تاماً، وتمّ تقليص حركة الفلسطينيين بينهما بشكل حادّ. كما حُظر دخول سكان القطاع إلى إسرائيل بهدف الزيارات العائلية أو من أجل لمّ شمل الأزواج، وجرى تقليص زيارات المواطنين والسكان من العرب في إسرائيل إلى غزة للحدّ الأدنى. وقد فرضت إسرائيل صعوبات على جميع سكان القطاع الراغبين بالسفر إلى الخارج، فيما منعت الكثيرين من الخروج مطلقًا.

وقد جرى تقييد استيراد وتصدير البضائع، وفي أحيان متقاربة أوقفا تمامًا. أضف إلى ذلك السماح لعدد قليل من سكان القطاع بالعمل في إسرائيل، حيث خسر عشرات الآلاف مصادر أرزاقهم. وقد أدّت القيود التي فرضتها إسرائيل على حركة البضائع والعمال إلى ركود اقتصاديّ عميق في القطاع، وللمسّ بالقدرة على العمل ولتدنّ حادّ في ظروف المعيشة. كما ارتفعت نسبة الفقر في القطاع في هذه الفترة إلى أكثر من أربعين بالمئة.

في أيلول 2005، أكملت إسرائيل تنفيذ "خطة الانفصال" التي شملت تفكيك جميع المستوطنات في قطاع غزة وإخلاء سكانها إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وسحب القوات العسكرية من مناطق القطاع. ولدى إتمام الخطة، أصدرت إسرائيل أمرًا أعلنت فيه انتهاء الحكم العسكريّ في قطاع غزة، وبالتالي طلبت إعفاءها من المسؤولية عن سلامة ورفاهية سكان القطاع.

وأدّى انسحاب الجيش الاسرائيلي من منطقة القطاع وتفكيك المستوطنات إلى تحسّن ملحوظ في حرية الحركة للسكان الفلسطينيين داخل منطقة قطاع غزة. مع ذلك، وحتى بعد تنفيذ "خطة الانفصال"، ما تزال إسرائيل تسيطر على المعابر بين القطاع وإسرائيل، والتي يمكن بواسطتها الوصول إلى الضفة الغربية أيضًا، كما تسيطر على المجاليْن الجويّ والبحريّ وعلى القرارات المتعلقة بحركة الناس والبضائع إلى داخل القطاع ومنه. صحيح أنّ معبر رفح كان يعمل لمدة سبعة أشهر بعد تنفيذ "خطة الانفصال" في أعقاب الاتفاق بين إسرائيل وبين السلطة الفلسطينية وسُمح بالعبور إلى مصر، غير أنه أغلِقَ بعد خطف الجندي جلعاد شليط في حزيران 2006. وهكذا، ما تزال إسرائيل تتحكم على أرض الواقع بأبعاد مركزية متعلقة بحياة أكثر من ١.٧ مليون فلسطينيّ من مواطني القطاع، تُعرف وكالة الأونروا للاجئين قرابة مليون شخص منهم بأنهم لاجئون.

في حزيران 2007، بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، أحكمت إسرائيل سيطرتها على المعابر أكثر فأكثر، ومنذ ذلك الوقت تقريبًا لا يتمتع الفلسطينيون بإمكانية مغادرة القطاع أو الدخول إليه، أو تصدير واستيراد البضائع. بعد مرور قرابة ثلاثة أشهر على ذلك، وكردّ فعل على استمرار إطلاق قذائف القسام باتجاه إسرائيل، قرّر المجلس الوزاري المصغر تعريف القطاع بأنه "كيان مُعادٍ" واتخاذ خطوات العقاب الجماعيّ، والتي شملت تقليص تزويد الكهرباء والوقود إلى قطاع غزة. وقد أدّى هذا الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة إلى انخفاض كبير في قدرة السكان على الحصول على المواد الاستهلاكية الأساسية وعلى الأدوية وإلى ارتفاع أسعارها. كما أغلقت معظم المصانع في القطاع ومئات المصالح الخاصة أبوابها. في عام 2009، وصل عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة إلى قرابة 140,000 شخص، يشكّلون قرابة %40 من الأيدي العاملة.

في يوم 20/6/2010 وفي أعقاب ضغط دولي مُورس على إسرائيل بعد أحداث السيطرة على القافلة التركية إلى غزة، قرر المجلس الوزاري الأمنيّ المصغر إجراء تسهيلات على القيود المفروضة على الاستيراد إلى القطاع. ومن ضمن ذلك، جرى توسيع قائمة البضائع التي يمكن إدخالها إلى القطاع وصدر تصريح بإدخال مواد البناء بشكل مقيّد. ومع ذلك، فإنّ هذه التسهيلات لم تتطرّق إلى التصدير من القطاع، ولم تعلن الحكومة الإسرائيلية عن تسهيلات تسمح بتصدير المنتوجات الزراعية والأثاث والنسيج إلا بعد نصف سنة على ذلك.
في أيار 2011 أعلنت مصر فتح معبر رفح أمام حركة الفلسطينيين بشكل دائم ورسميّ، وابتداءً من كانون الأول 2011 كانت الحركة في المعبر تسير بحرية نسبيًا، وبما يخضع للقيود التي تفرضها مصر. كما أنّ حركة البضائع عبر معبر رفح غير مسموح بها. بعد تطبيق "خطة الانفصال" واصل عدد من التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة إطلاق الصواريخ والقذائف صوب البلدات الإسرائيلية المحاذية للخط الأخضر، خلافًا لأوامر القوانين الإنسانية الدولية، التي تحظر إطلاق النار المتعمّد صوب المدنيين. كما أنّ الصواريخ والقذائف تشكّل بحدّ ذاتها سلاحًا غير قانونيّ، حتى عند توصيبها نحو أهداف عسكرية، حيث أنّ الحديث يدور عن سلاح غير دقيق. أضف إلى ذلك أنّ الفلسطينيين يطلقون النار في عدد كبير من الحالات من داخل مناطق مأهولة بالمدنيين، مما يعرّضهم للخطر. ومنذ تطبيق "خطة الانفصال" في يوم 11/5/2009 وحتى حملة "عامود السحاب" في يوم 14/11/2012، قُتل 13 مواطنًا إسرائيليًا ومواطن أجنبيّ واحد وجنديان (أحدهما في داخل قطاع غزة) جراء إصابات لحقت بهم بالصواريخ والقذائف التي أطلقها فلسطينيون. إلى جانب ذلك، قُتل مواطن إسرائيلي (قاصر) وجنديّ جراء إطلاق صواريخ مضادة للدبابات.

من جانبها، استعانت إسرائيل بعدد من الوسائل المتنوعة. ومن ضمن هذه الوسائل، إطلاق الجيش الإسرائيليّ الصواريخ المدفعية صوب مناطق عرّفها على أنها "مناطق إطلاق لصواريخ القسام" ومناطق محاذية للحدود سمّاها "مناطق الموت"، حيث أنّ أوامر إطلاق النار التي سرت عليها سمحت بإطلاق النار على الفلسطينيين الموجودين فيها، حتى لو لم يشكلوا الخطر على حياة أحد. إلى جانب ذلك، واصلت إسرائيل القيام بعمليات اغتيال ضدّ فلسطينيين في قطاع غزة، بادّعاء أنهم ضالعون في الهجمات على إسرائيل. وفي إطار هذه السياسة، قتلت إسرائيل الكثير من عابري السبيل أيضًا. وبحسب المعطيات المتوفرة لدى بتسيلم، قتلت إسرائيل منذ تطبيق "خطة الانفصال" 155، فلسطينيًا في إطار هذه الاغتيالات، من بينهم 87 شخصًا كانوا مستهدفين للاغتيال و68 آخرين كانوا عابري سبيل، 34 شخصًا منهم من القاصرين. على مرّ السنوات التي انقضت منذ تنفيذ "خطة الانفصال"، دخل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة في إطار عدة حملات، شملت، من ضمن ما شملت، قصف بنى تحتية مدنية واقتحام مراكز سكنية مكتظة. وفي إطار هذه العمليات التي قامت بها إسرائيل حتى يوم 26/12/2008 قُتل في قطاع غزة 516 فلسطينيًا على الأقل لم يشاركوا في الاقتتال، منهم 192 قاصرًا و49 امرأة و25 رجلاً فوق سنّ الخمسين.

في يوم 27 كانون الأول 2008، خرجت إسرائيل إلى حملة "الرصاص المصبوب"، وهي أوسع حملة أجرتها في القطاع، وقد استمرّت الحملة حتى يوم 18/1/2009 وقد كان المسّ بالمدنيين الفلسطينيين أثناء هذه الحملة  غير مسبوق: 1,391 فلسطينيًا قُتلوا، منهم 759 مواطنًا على الأقل لم يشاركوا في الاقتتال، منهم 318 قاصرًا، إلى جانب جرح الآلاف. كما ألحقت إسرائيل أضرارًا باهظة في المباني ومنشآت البنى التحتية. ومن ضمن ذلك قصف إسرائيل لمنشآت الكهرباء والمياه والمجاري التي كانت على شفا الانهيار حتى قبل الحملة، ممّا أدّى إلى شلّها تمامًا. وتشير معطيات الأمم المتحدة إلى تدمير إسرائيل لأكثر من 3,500 مبنًى سكنيّ وتشريد عشرات آلاف الأشخاص ظلوا بلا مأوى أو بيت يعودون إليه. خلال الحملة أطلق الفلسطينيون صواريخ وقذائف هاون تجاه إسرائيل، بهدف صريح وهو المس بالمدنيين الإسرائيليين. وقد أسفرت عمليات الإطلاق عن مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين وأصيب العشرات بجروح. كما قتل داخل القطاع تسعة جنود، من بينهم أربعة نتيجة إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي. وقد أصيب أكثر من مائة جندي، من بينهم جندي أصيب بجراح بالغة وأصيب عشرون جنديا بجراح ما بين متوسطة- بالغة.

في يوم 14/11/2012 أطلقت إسرائيل حملة "عامود السّحاب" في قطاع غزة. وقد استمرّت الحملة ثمانية أيام، هاجم الجيش فيها، وفق بيان الناطق العسكري، قرابة 1,500 هدف، منها منصّات إطلاق صواريخ مخفية وأنفاق اُستخدمت لنقل وسائل قتالية ومواقع اُستخدمت لتخزينها. وبحسب المعطيات المتوفرة لدى بتسيلم، قتل الجيش الإسرائيليّ في هذه الحملة 167 فلسطينيًا، منهم 87 فلسطينيًا على الأقل لم يشاركوا في القتال، ومن بينهم 31 قاصرًا. وبناءً على معطيات "الشاباك" (جهاز الأمن العام)، أطلق الفلسطينيون أثناء الحملة 1,667 صاروخًا من داخل القطاع. وقد قُتل جراء هذه الصواريخ في أثناء الحملة أربعة مدنيين إسرائيليين واثنان من قوات الأمن الإسرائيلية. وقد انتهت الحملة في يوم 21/11/2012 بعد أن اتفقت إسرائيل وحماس على وقف إطلاق النار.

وخلافًا لموقف إسرائيل القاضي بأنها لا تتحمل أيّ مسؤولية تجاه سكان القطاع بعد فكّ الارتباط، فإنّ القانون الدوليّ يلقي عليها واجبات معينة وعليها أن تحترم حقوق سكان القطاع في المجالات التي أبقت السيطرة عليها بيدها. وتنبع هذه الواجبات من حجم سيطرة إسرائيل الفعلية على أبعاد مركزية في حياة سكان القطاع حتى بعد تنفيذ "خطة الانفصال"، ومن اعتماد اقتصاد القطاع بشكل شبه تامّ على المرافق الاقتصادية الإسرائيلية، نتيجة الاحتلال المتواصل. حين يدور في القطاع نزاع مسلح، تسري على إسرائيل أيضًا أوامر القوانين الإنسانية الدولية. المبدآن الأساسيان لهذه القوانين –مبدأ التمييز ومبدأ التناسبية- يقضيان بمنع الاعتداء المتعمّد على المدنيين منعًا باتًا، وحتى حين يكون الهجوم موجّهًا ضد أهداف عسكرية، يُحظر أن يكون المسّ المتوقع بالمدنيين مبالغًا به قياسًا بالأفضلية العسكرية المباشرة المتوقعة من هذا الهجوم. أضِفْ إلى ذلك أنّ إسرائيل ملزمة أثناء الاقتتال بتوفير حماية خاصة لمجموعات خاصة، منها المرضى والمصابون والأطفال، وأن تسمح بنقل الأدوية والمنتجات الغذائية الضرورية بشكل حرّ، كما أن تسمح للأطقم الطبية بتقديم المساعدة للجرحى والمرضى.