غور الأردن وشمال البحر الميت

تم النشر في: 
1.1.14

غور الأردن وشمال البحر الميت

הרצועה המזרחית
غور الأردن هو القطاع الشرقي للضفة الغربية الذي يمتد على طول حوالي 120 كم، من منطقة عين جدي قرب البحر الميت جنوبا ولغاية الخط الأخضر جنوبي بيت شان (بيسان) شمالاً. ويبلغ عرض هذا القطاع حوالي 15 كم. يعيش اليوم في هذا القطاع أكثر من 47,000 فلسطيني، في حوالي عشرين بلدة ثابتة، بما في ذلك مدينة أريحا، وبضعة آلاف في بلدات مرتجلة.

منذ احتلال الضفة الغربية، اعتبرت جميع حكومات إسرائيل هذا القطاع بمثابة "الحدود الشرقية" لاسرائيل وطمحت في ضمه إلى مساحة الدولة. ومن أجل تعزيز سيطرتها على المنطقة، فقد أقامت إسرائيل في الأغوار، منذ مطلع سنوات السبعينيات، 26 مستوطنة بالاضافة الى خمسة مواقع للناحل، التي يعيش بها اليوم حوالي 7,500 مواطن.

على مدار السنين، تم الإعلان عن الغالبية العظمى من أراضي هذا القطاع على أنها أراض تابعة للدولة، وجرى ضمها إلى مناطق النفوذ التابعة للمجالس الاقليمية "عرفوت هيردين" و"مجيلوت" التي تعمل في إطارها معظم المستوطنات في المنطقة. وفي إطار اتفاقية أوسلو، تم تعريف هذه المنطقة، بإستثناء جيب يضم مدينة أريحا والمساحات التي تحيط بها، على أنها مناطق C، التي تسيطر عليها إسرائيل سيطرة تامة. وقد صرح مؤخراً القائم بأعمال رئيس الحكومة، ايهود اولمرت، في مقابلة تلفزيونية أن غور الأردن سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية في أي تسوية مستقبلية.

الجدار الفاصل الشرقي الذي خططت إسرائيل لبنائه على امتداد الحدود الغربية لغور الأردن، فقد أُلغي بسبب الانتقاد الدولي الشديد، وفي أعقاب القرار الصادر عن محكمة العدل العليا في حزيران 2004. لكن، ما مُنعت إسرائيل من تحقيقه بهذه الوسيلة، حصلت عليه الدولة بطريقة أخرى. منذ العام 2005، تفرض إسرائيل في غور الأردن سياسة قاسية من التقييد على حركة وتنقل السكان الفلسطينيين. وقد جاءت هذه السياسة لتحل محل الجدار الفاصل المُلغى والمشطوب. إن الوضع الذي أوجده الجيش الإسرائيلي مشابه على وجه التقريب بصورة تامة الوضع السائد في "منطقة التماس" الواقعة بين الجدار الفاصل والخط الأخضر.

الى الغرب من غور الأردن، أقامت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة أربعة حواجز ثابتة. خلال العام 2005، شدد الجيش بصورة ملحوظة من التقييدات المفروضة على هذه الحواجز وأتاح المرور فقط لسكان غور الأردن على أساس بطاقة الهوية بشرط أن يكون العنوان المسجل في بطاقة الهوية هو إحدى قرى الغور. أما باقي سكان الضفة الغربية، فإنه يُطلب منهم في هذه الحواجز إبراز تصريح خاص يتم إصداره من قبل الإدارة المدنية. وبدون التصريح، فإن الجيش الإسرائيلي يتيح المرور فقط في "الحالات الإنسانية". ولا يسري هذا المنع على دخول المواطنين من الضفة الغربية إلى مدينة أريحا، غير أن السفر من أريحا شمالا إلى باقي أجزاء الأغوار محظور على الفلسطينيين، ومن بينهم سكان أريحا أنفسهم، بإستثناء حملة التصاريح. "الفلسطينيون الذين يتم إمساكهم في الأغوار بدون تصريح"، كما يقول المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي، "يتم تحويلهم إلى الشرطة".

تم تطبيق سياسة فصل الأغوار دون اتخاذ قرار حول هذا في الحكومة وبدون اعلام الجمهور. لكن في رده على توجه بتسيلم حول هذا الأمر، في كانون الثاني 2006، يُميز المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي بين "مناطق يهودا والسامرة" وبين "الأغوار". ويتضح من هذا التمييز أن إسرائيل لا ترى في الأغوار وحدة جغرافية واحدة مع باقي مناطق الضفة الغربية. وقد توجهت بتسيلم إلى المستشار القضائي للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية من أجل استيضاح التأصيل القانوني لمثل هذا التمييز، وهل تم إصدار أية أوامر عسكرية لترتيب إغلاق مناطق أمام السكان الفلسطينيين واعتقال الفلسطينيين الذين يمكثون في هذه المناطق بدون تصريح. لغاية اليوم لم نحصل على جواب على هذا التوجه.

إن فصل القطاع الشرقي عن باقي الضفة الغربية يمس بصورة قاسية حقوق الإنسان لفلسطينيين كثيرين. إن الشارع رقم 90، الذي يشق المنطقة على امتدادها، كان يُستعمل في الماضي شارعاً رئيسيا بين شمالي الضفة الغربية وبين أريحا وجسر اللنبي، والذي يعمل فيه المعبر الوحيد بين الضفة الغربية وبين الأردن وباقي العالم. ومع انطلاقة الانتفاضة، حظر الجيش الإسرائيلي سفر السيارات الخصوصية فوق هذا الشارع، غير أنه سمح لسيارات الأجرة والسيارات الخصوصية المزودة بتصريح بالاستمرار في السير فوقه. ومنذ إغلاق الأغوار خلال العام 2005، يتم تحويل مسالك سفر السيارات الخصوصية الفلسطينية إلى شوارع ثانوية، من خلال زيادة تكلفة السفر وإطالة مدته.

الفلسطينيون الذين يسكنون خارج الأغوار، ويمتلكون أراض زراعية في مجالها، جرى فصلهم عن أراضيهم. وبخصوص هذه المجموعة السكانية، يقول المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي: "لا يوجد إجراء تفصيلي.... غير أن مرور هؤلاء متاح، مثل باقي سكان الضفة، على أساس التصاريح.... طبقاً للإجراءات المحددة فيما يتعلق بهذا الموضوع". تجدر الإشارة إلى أنه لم يتم مطلقاً نشر هذه الإجراءات. ويتضح من التحقيق الذي أجرته بتسيلم أن الكثير من الفلسطينيين، ونتيجة لإغلاق الأغوار، فقدوا مصادر رزقهم، ممن يعيشون في القرى المحاذية للأغوار والذين اعتاشوا من العمل في الأراضي الزراعية.

يمنع الجيش الإسرائيلي سكان القرى الفلسطينية الواقعة شمالي جيب أريحا من استضافة أقاربهم وأصدقائهم الذين يعيشون خارج الأغوار وفي أريحا. إن تنظيم مناسبة كثيرة المشاركين، مثل حفل الزواج أو الجنازة، صار مهمة شبه مستحيلة. النساء اللواتي تزوجن من رجال يسكنون في الأغوار وانتقلن للعيش معهم في المنطقة دون أن يبدلن البند الخاص بالعنوان في بطاقة الهوية، لا يخرجن من منطقة القرى، خشية منعهن من العودة إلى بيوتهن. وقد توقف الكثير من مزودي الخدمات عن الوصول إلى هذه القرى.

في نيسان 2007، أعلنت وزارة الدفاع، في أعقاب توجه جمعية حقوق المواطن، انه ابتداء من نهاية أيار 2007 سيتم الغاء منع الحركة الذي يحول دون دخول الفلسطينيين الى غور الأردن. وجاء في البيان المرسل الى جمعية حقوق المواطن من ديوان وزير الدفاع أنه في ختام الفحص المجدد بخصوص الحاجة الى الاستمرار في فرض القيود على الحركة في الأغوار تقرر رفع القيود على حركة التنقل بحيث يكون الدخول الى منطقة غور الأردن متاحا لجميع سكان الضفة، طبقا للفحص الأمني في نقاط الفحص المختلفة. ولم يتضمن البيان اشارة الى ما إذا كان فرض التقييدات مبررا منذ البداية.

إن متابعة بتسيلم لهذا القرار أشارت الى أن القرار طُبق فقط بخصوص مرور المارة والمسافرين بالمواصلات العامة وأنه يُطلب من سائق السيارة العمومية تصريح من أجل ادخال سيارته الى الأغوار. إن الدخول بالسيارة الخصوصية الى الأغوار مشروط اليوم أيضا بتقديم تصريح خاص. الى جانب هذا، فإن القرار يُطبق في حاجزين اثنين فقط- تياسير والحمرا، شمالي الأغوار- التي يطول الانتظار فيهما بشكل عام. شروط المرور في الحاجزين الآخرين- جيتيت وييطف- لم تتغير.

بالاضافة الى القيود التي تفرضها إسرائيل على حرية الحركة في منطقة الأغوار، فقد فرضت إسرائيل في أيار 2005 حظرا جارفا على دخول الفلسطينيين الى منطقة شمال البحر الميت الموجود في مناطق الضفة الغربية. وقد تم فرض هذا الحظر بواسطة منع مرور الفلسطينيين عبر حاجز "الموج". البحر الميت كما هو معروف يُعتبر موقعاً للترفيه والاستجمام. إن الجزء الشمالي الشرقي من البحر الميت كان على مدار سنوات كثيرة منطقة ترفيه أساسية لسكان الضفة الغربية. غير أن هذه الشواطئ جرى فصلها عن باقي مناطق الضفة، بما في ذلك غور الأردن، واليوم يحظر الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين زيارتها. في السنوات الأخيرة سُمح بالمرور عبر حاجز ألموج، بصورة عامة، فقط لمن يحملون تصاريح عمل في المستوطنات المجاورة وتصاريح دخول إلى إسرائيل. بدءا من شهر أيار 2007، تحظر إسرائيل الدخول حتى على هؤلاء. في المكالمة الهاتفية التي اجريت مع مدير موقع الاستجمام عين الفشخة، شمالي البحر الميت، أوضِحَ لبتسيلم أنه يتم بين الفينة والأخرى تسليم الموقع تعليمات من الجيش تحظر دخول الفلسطينيين الى موقع الاستجمام، باستثناء أصحاب تصاريح الدخول الى إسرائيل. ويطلب من هؤلاء تقديم التصاريح في مدخل الموقع. كما أن البحر الميت يُعتبر مورداً اقتصاديا من الدرجة الأولى، في مجال الصناعات والسياحة، غير أن إسرائيل منذ بداية الاحتلال، تمنع الفلسطينيين من استغلاله من خلال التقييدات التي تفرضها.

إن السياسة التي تطبقها إسرائيل في القطاع الشرقي، إلى جانب تصريحات أصحاب المناصب الرفيعة حول هذه القضية، ترمز إلى أن الدافع من وراء سياسة إسرائيل ليس أمنيا بل سياسيا: ضم هذه المنطقة من الناحية الفعلية لإسرائيل. إن هذا الضم، على غرار الضم الفعلي لمناطق واسعة أخرى تقع غربي الجدار الفاصل، يعتبر خرقاً صارخاً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.