ممارسات الجيش تعرقل حياة سكّان دير أبو مشعل منذ أسبوعين، لا لشيء سوى أنّ ثلاثة من شبّان القرية نفّذوا عمليّة

تم النشر في: 
29.6.17

تقع قرية دير أبو مشعل على بُعد نحو 25 كيلومترًا غربيّ رام الله، ويبلغ عدد سكّانها خمسة آلاف نسمة. يعمل كثيرون منهم في مدينة رام الله، وهناك نحو مائة وخمسين يعملون داخل إسرائيل ويضطرّون يوميًا لعبور حاجز نعلين. في مساء الجمعة، 16.6.2017، نفّذ ثلاثة فلسطينيين من سكّان القرية عملية في باب العامود، شرقيّ القدس، فقتلوا شرطية من حرس الحدود (هداس ملكا، 23 عامًا)، وأصابوا أربعة آخرين بجروح. خلال العملية قتلت قوّات الأمن منفّذي العملية الثلاثة، وهم: براء صالح (18 عامًا) وعادل عنكوش (18 عامًا) وأسامة عطا (19 عامًا). منذ أن نُفذت العملية تعرقل اسرائيل حياة جميع سكّان القرية، رغم أنّه لا علاقة لهم بها ولم يُتّهموا بشيء.

بعد العملية دخلت قوّات من الجيش وشرطة حرس الحدود إلى القرية وفرضت سلسلة من الإجراءات عرقلت مجرى حياة السكّان. ففي مساء اليوم نفسه نصبت قوّات الأمن بوّابة حديديّة عند المدخل الرئيسي للقرية، ومنعت دخول وخروج المارّة والسيارات. إضافة، أغلق الجيش بأكوام التراب والحجارة ثلاث طرق ترابيّة تؤدّي إلى القرية عبْر حقولها؛ ولكن بعض سكّان القرية فتحوا اثنتين منها فأتيح مرور سيّارات الدفع الرباعي (4*4) فقط. تكرّر الأمر نفسه في اليومين التاليين حيث أغلق الجيش الطرق، وأعاد بعض سكّان القرية فتحَها.

جنود قرب البوّابة التي نصبها الجيش عند المدخل الرئيسي للقرية. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 19.6.17
جنود قرب البوّابة التي نصبها الجيش عند المدخل الرئيسي للقرية. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 19.6.17

يوم الاثنين، 19.6.2017، سمحت قوّات الأمن لمعظم سكّان القرية بالخروج سيرًا عبْر المدخل الرئيسي، ما عدا الرجال ممّن تتراوح أعمارهم بين 15 و-25 عامًا. في اليوم التالي فتحت قوّات الأمن البوّابة جزئيًا وسمحت بعبور السيارات أيضًا مع إخضاع المسافرين والسيارات للتفتيش والفحص المطوّل. وما زال المنع ساريًا على الرجال من سنّ 15 إلى 25 سنة.

فقط مع حلول مساء السبت، 24.6.2017، ليلة عيد الفطر، أدخلت قوّات الأمن بعض التسهيلات على عبور السيارات. ولكنّ البوّابة الحديديّة بقيت، وأحيانًا كان هناك أفراد من قوّات الأمن يجرون تفتيشًا عشوائيًا.

إضافة إلى القيود التي فُرضت على حركة السكان وأثّرت عليهم جميعًا، صادر أفراد قوّات الأمن من سكان القرية نحو خمسين سيّارة بحجّة أنها غير مرخّصة. إضافة الى ذلك، ألغيت تصاريح عمل داخل إسرائيل لخمسين من سكّان القرية، جميعهم افراد من العائلة الموسعة لمنفّذي العملية الثلاثة. حصل ذلك دون سابق إنذار، حيث أبلغ العمّال بذلك لدى وصولهم إلى الحاجز، ولم يملك العمّال فرصة للاستئناف أو الاعتراض.

في يوم الأحد، 18.6.2017، اقتحم جنود خمسة منازل في القرية - ثلاثة منها منازل أسَر منفّذي العملية. وقد أبلغ الجنود هذه الأسَر أنّ منازلهم سوف تُهدَم كعقاب على ما فعله أبناؤها. عندها، سوف يبقي الجيش دون مأوى خمسة عشر شخصًا لم يقترفوا ذنبًا، بينهم خمسة قاصرين.

في واحد من البيوت، على الأقلّ، ألحق الجنود أضرارًا بالممتلكات وخلّفوا وراءهم فوضى. في 21.6.2017 اعتقلت القوّات والدة عادل عنكوش (46 عامًا)، وما زالت محتجَزة في سجن الشارون. هذا الصباح، 29.6.2017، عادت القوّات إلى القرية واعتقلت أيضا والد عنكوش، كما أجرت تفتيشًا إضافيًا في منزل أسامة عطا.

أثناء الاقتحام الأوّل جرت مواجهات عنيفة بين قوّات الأمن والسكّان، جرح خلالها شابّان من القرية. ونظرًا للإغلاق، فقد نقل الإسعاف الجرحى إلى مستشفى في رام الله عبر الحقول والطرق الجانبية. بعد مضيّ ثلاثة أيّام، عادت قوّات الأمن إلى القرية في الخامسة صباحًا، واقتحمت أحد المنازل بهدف إجراء اعتقال. نجمت عن ذلك مجدّدًا مواجهات أصيب خلالها شابّان آخران. انتهت المواجهات مع خروج قوّات الأمن من القرية، نحو الساعة الثامنة صباحًا.

منذ أسبوعين تقريبًا، أي منذ يوم العملية، يعرقل الجيش حياة نحو خمسة آلاف شخص هُم سكّان القرية، علمًا أنّه لم توجّه إليهم أيّة شبهة. هذا الردّ التلقائيّ قد أصبح جزءًا من سياسة الجيش، بحيث يسخّر قوّته لأجل التكنيل الكيديّ بالمواطنين. إنّه انتهاك لا يوجد ولا يمكن أن يوجد له تبرير - أخلاقيّ أو قانونيّ.

إحدى الطرق الترابية التي أغلقها الجيش. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 19.6.17
إحدى الطرق الترابية التي أغلقها الجيش. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 19.6.17

الباحث الميداني في بتسيلم، عامر عاروري، استمع في 21.6.17 إلى إفادة أحد السكّان، كما تحدّث إلى اثنين آخرين خشيا ذكر اسمهما.

أحد السكان الذي خشي ذكر اسمه، قال:

"أنا تاجر، ومعي تصريح دخول لإسرائيل. في يوم السبت لم أستطع الخروج من بيتي، ولكن في يوم الأحد، 18.6.2017، كنت مضطرًا للذهاب إلى البنك في رام الله. أملك سيّارة عاديّة، ومن الصعب جدًا السفر فيها عبْر الطرق البديلة غير المعبّدة. سافرت في سيارة أخي ذات الدفع الرباعيّ (4*4). الوصول فقط إلى قرية دير نظام استغرق نصف ساعة؛ ومن هناك اتّخذت الشارع الرئيسي الموصل إلى رام الله. كلّفني ذلك ساعة من الزمن، في حين أنّ السفر إلى رام الله يستغرق في العادة نصف ساعة كحدّ أقصى.

في يوم الثلاثاء، 20.6.2017، سمعت من السكّان أنّ الجيش فتح البوابّة ورفع الإغلاق. خرجت في سيارتي نحو الساعة 11:00 في اتجاه المخرج الرئيسي، فرأيت أنّ الجنود لا يزالون هناك؛ وكانوا قد فتحوا البوّابة الحديدة جزئيًا. كانت حركة السيارات في الاتجاهين، والجنود يفتّشون كلّ سيارة تدخل أو تخرج، ويفحصون بطاقات هويّات المسافرين ممّا أسفر عن ازدحام مروريّ كبير في مدخل القرية.

عندما وصل دوري، أجرى الجندي تفتيشًا دقيقًا في سيارتي، حتى أنّه فتح غطاء المحرّك وفتّش الصندوق الخلفي. عندما فحص بطاقة هويّتي سألني بسخرية إن كنت أحمل سلاح M-16، أجبته بكلاّ وتابعت طريقي".

المتحدّث الآخر، دون ذكر اسمه، قال:

"أنا من عائلة عطا، وأعمل في البناء داخل إسرائيل. في يوم الأحد 18.6.2017، عند الساعة 4:00 تقريبًا، وصلت إلى حاجز نعلين، وكنت قد خرجت من القرية عبْر الطريق الزراعي. كان معي في السيارة خمسة عمّال آخرين من القرية، أربعة منهم من عائلة عطا، والخامس من عائلة أخرى. عند الحاجز أعادونا جميعًا ومنعونا من العبور، ما عدا الشخص الخامس. سألت الحارس لماذا أُمنع من العبور، فقال إنّ عائلتنا "تسبّب المشاكل". في ذلك اليوم لم يكن في مقدوري فعل شيء. قفلتُ راجعًا إلى القرية. وهناك عمّال آخرون من عائلات عطا وعنكوش وصالح، أخبروني أنّه حصل معهم الأمر ذاته بالضبط. عندي خمسة أطفال وليس لديّ مصدر معيشة آخر. يوم أن تغيّبت حين أعادوني من الحاجز، اتّصل بي مشغّلي وقال إنّ عليّ الوصول إلى العمل وإلاّ فسوف يقيلني. لا أدري ماذا سأفعل إذا لم يعيدوا إليّ التصريح. بعد قليل يحلّ عيد الفطر، ولا أظنّ أنني سأقدر على شراء ملابس العيد لأولادي كما هو متّبع، لأنّ النقود ستلزم لإطعام أسرتي إذا حصل وفقدت عملي".

محمد فايز محمد عطا، متزوّج وأب لخمسة أطفال، وصف في إفادته ما جرى له:

الفوضى التي خلّفها الجنود وراءهم في منزل عائلة عطا، 21.6.17. الصورة بلطف من العائلة.

"أنا من دير أبو مشعل، وأسكن في حيّ المعلّقة في منزل من طابقين، ولكن الطابق الثاني ما زال قيد الإنشاء. ولدينا قرب المنزل حظيرة أغنام.

في يوم الأربعاء، 21.6.2017، سمعت في السادسة صباحًا طرقًا شديدًا على باب المدخل. عندما فتحت، وجدت أمامي جنودًا ومعهم ضابط. أمرني الضابط بالانبطاح على الأرض، وحين رفضت ذلك شدّني جنديّ بقوّة وأجلسني بالقوّة. بقيّة الجنود دخلوا إلى البيت وأخذوا يفتّشون، فقمت فورًا وتبعتهم. شرحت لهم أنّ زوجتي وأولادي نائمون، ولكن لا فائدة.

دخل الجنود إلى المطبخ وأخذوا يقذفون بأواني الطعام إلى الأرض. بسبب ضجيج تحطُّم الأواني استيقظت زوجتي والأولاد - الذين شرع بعضهم في البكاء لمرأى الجنود داخل البيت. عدد من الجنود دخلوا غرفة نومي، وأخذوا يلقون الملابس على الأرض. كذلك قلبوا الكنبات والطاولات في الصالون. سألت الضابط إن كان في حوزته أمر تفتيش، فأجاب: "إنّهم يقتلون اليهود ويريدون أمر تفتيش!".

استمرّ ذلك طيلة ما يقارب الساعة، ثمّ غادروا المنزل مخلّفين وراءهم فوضى رهيبة. في المطبخ أطاحوا الأواني بالأرض فتحطّمت، وسكبوا الأرز؛ في الطابق الثاني لدينا حلاّبة للغنم، حطّموها. الصالون كان مقلوبًا كلّه على بعضه؛ في غرفة النوم كانت كلّ ملابسنا مرميّة على الأرض. لا أعلم لماذا اقتحموا منزلنا، وعلامَ كانوا يفتّشون. سألتهم ورفضوا الإجابة."

الفوضى التي خلّفها الجنود وراءهم في منزل عائلة عطا، 21.6.17. الصورة بلطف من العائلة.

الفوضى التي خلّفها الجنود وراءهم في منزل عائلة عطا، 21.6.17. الصورة بلطف من العائلة.