إسرائيل تفرض قيودا على التنقّل في منطقة جنوب نابلس وتعرقل حياة أكثر من 54 ألف مواطن

تم النشر في: 
30.10.16

ي بداية شهر أيلول أغلق الجيش طيلة ثمانية أيّام، من 4 إلى 11 منه، مداخل عشر بلدات فلسطينية تقع جنوب محافظة نابلس، على امتداد شارع حوّارة. إضافة إلى ذلك، أغلق الجيش عدّة طرق زراعية وشوارع فرعية. يضاف إلى هذا كلّه إغلاق مدخل عورتا الرئيسي بشكل دائم، على يد الجيش، منذ مقتل الزوجين هينكين أثناء عملية جرت في تشرين الأول 2015 وحتى يومنا هذا. هذه القيود تعيق حياة سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 54 ألف نسمة. وقد أبلغت السلطات الإسرائيلية مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينية أنّ سبب الإغلاق هو إلقاء زجاجة حارقة وحجارة على سيّارة إسرائيلية مرّت في المنطقة. 

تمّ رفع الإغلاق كجزء من "تسهيلات" وافقت عليها إسرائيل لمناسبة عيد الأضحى، ولكنّ إسرائيل عادت وفرضت الإغلاق مجدّدًا بعد ذلك بعدّة أيام، في 20.9.2016، مضيفة فوقه إغلاق طرق ترابيّة كان يستخدمها السكّان كمداخل بديلة في قبل ذلك بأسبوعين. مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينية أبلغت رؤساء المجالس أنّ الأمر جاء ردًّا على إلقاء حجارة على باص إسرائيلي قرب حوّارة. قد تمّ رفع القيود في 26.9.2016.

البلدات التي جرى إغلاق الطرق المؤدّية إليها تقع في المنطقة التي كانت قد صُنّفت "منطقة B" ضمن اتفاقيات أوسلو، وعليه تتبع إداريًا للسلطة الفلسطينية. يدور الحديث عن بلدات صغيرة يرتبط سكّانها بمدينة المحافظة – نابلس – لأجل إدارة شؤون حياتهم اليومية، حيث يعمل ويدرس فيها كثيرون منهم، كما يتلقّون هناك مختلف الخدمات ومن ضمنها الخدمات الطبّية. وبسبب هذه القيود اضطرّ السكان إلى السفر في طرق ملتوية بل وخطرة. لقد كانت سيّارات الإسعاف تترنّح في الطرق ]الوعرة[؛ والمرضى والمسنّون كانوا يضطرّون إلى قطع مسافات طويلة مشيًا على الأقدام، ومعلّمو المدارس كانوا يتأخّرون في الوصول إلى المدارس؛ والأطباء يتأخرون في الوصول في المواعيد المحدّدة لعلاج المرضى؛ كما اضطرّت النساء والرجال والأطفال للانتظار طويلاً لحين وصول سيّارة يوافق سائقها على السفر في طرق التفافية. 

القيود المفروضة على التنقّل أطالت زمن السفر إلى نابلس وبلدات المحافظة الأخرى بمدّة تصل من 20 إلى 40 دقيقة، ومن هنا رفعت أيضًا تكلفة السفر. تعتمد المواصلات العامّة في هذه المنطقة على سيارات الأجرة وبشكل عامّ تتراوح تكلفة السفر فيها من معظم البلدات إلى نابلس بين 5 و-10 شيكل. ولكن سيارات الأجرة تتعطّل عن العمل لدى إغلاق الشوارع، فيضطرّ السكان إلى السفر في تاكسي خصوصي وهذا يكلّفهم أكثر بكثير. 

القيود جرى فرْضها دون سابق إنذار مسبّبة حالة من البلبلة وفقدان اليقين بين سكّان المنطقة جميعًا، فلم يتمكّنوا من معرفة أيّ الطرق مغلقة، وكم من الوقت يستغرق الوصول إلى حيث يريدون، ومتى سيُنهي الجيش حالة الإغلاق. ما يجري هو عقاب جماعيّ يطال عشرات الآلاف من سكّان المنطقة، الأمر الذي يكشف بُطلان مزاعم إسرائيل أنّها نقلت أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لتصبح تحت الإدارة الذاتية للسلطة الفلسطينية. فعليًا تستطيع إسرائيل، وبسهولة لا تُحتمل، عرقلة مجرى حياة عشرات آلاف الفلسطينيين، في حين لا تملك السلطة الفلسطينية تأثيرًا ولا يمكنها التدخّل في ذلك.  

باحثة بتسيلم الميدانية في منطقة نابلس، سلمى الدّبعي، جمعت في 20 و21 أيلول إفادات سكّان البلدات، الذين حدّثوها عن المشقّات التي تجرّعوها جرّاء فرض تقييد حرّية تنقّلهم:   

ساتر وضعه الجيش في مدخل عينابوس. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016
ساتر وضعه الجيش في مدخل عينابوس. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016

فوزية عطا علي قواريق، 62 عامًا، من سكان عورتا، تعاني من مرض السكّري، تقول في إفادتها: 

يوم الثلاثاء، 20.7.16، نحو الساعة 3:00 فجرًا أخبرتني ابنتي سعاد أنهم أغلقوا بالسواتر الترابية مدخل بلدتنا ومداخل قرى أخرى محيطة بنا. عندما سمعت ذلك ارتبكت، فأنا مريضة سكّري وكان لديّ في اليوم نفسه موعد في العيادة؛ وهو موعد يحدّدونه لي مرّة كلّ شهر ويجب أن ألتزم به لأنّ هناك فحوصات يجب أن أجريها ويجب أيضًا تجديد "روشيتات" الأدوية. خرجت من البيت في الساعة 8:00 صباحًا وسافرت في تاكسي أجرة عمومي اتّخذ طريقًا التفافيًا، عبر الطريق الزراعي الذي يمرّ في سهل حوّارة. لقد كانت سفرة بطيئة جدًا. الطريق من حوّارة إلى قرية أودلا استغرقت نصف ساعة، وهي تستغرق في العادة عشر دقائق. 

عندما وصلت إلى العيادة قاست الممرضة الضغط، كالعادة، وقالت إنّ ضغطي مرتفع فحدّثتها كيف ارتبكت من إغلاق الشارع، وكيف جلست أفكّر منذ ساعات الفجر كيف سأصل إلى العيادة. أخذت الأدوية ورجعت إلى البيت عبر الطرق الصعبة نفسها. لم أفهم لماذا يفعلون بنا ذلك. 

هذا الوضع يقلقني جدًا، لأن زوجي أيضًا عليه أن يصل إلى نابلس عدّة مرّات في الأسبوع لكي يتلقى العلاج هناك. إنّه يعاني من مشاكل صحّية كثيرة، ومنها مشكلة في القلب واحتباس البول، والسفر في الطرق المتعرّجة صعب جدًا بالنسبة إليه. 

تقييد الحركة والتنقّل يضرّ أيضًا بأبنائي، الذين يعملون في إسرائيل وفي حوّارة. إنّهم يتجرجَرون في هذه الطرق لأجل الوصول إلى أماكن عملهم. وعندما يتأخّرون يواجهون مشاكل في مكان العمل. لا أحد هنا يعلم أو يفهم لماذا أغلقوا الشوارع في وجهنا. 

إلى أين يريدوننا أن نذهب! إنهم يتجاهلون أنّ هناك بشر يعيشون هنا، أناس عليهم الوصول إلى أماكن مختلفة لتلبية احتياجاتهم اليومية – لأجل كسب رزقنا، لأجل صحّتنا، لأجل معيشتنا. 

ساتر وضعه الجيش في مدخل أودلا. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016
ساتر وضعه الجيش في مدخل أودلا. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016

دلال محمود حسن فقها، 43 عامًا، معلّمة علوم، تسكن في دير شرف، أيضًا حدّثت عن صعوبات الوصول إلى مكان عملها:

أنا أدرّس مادّة العلوم في مدرسة بورين المختلطة. في الصباح، أسافر عادة إلى نابلس، ومن هناك أتابع مع زملائي إلى المدرسة. بسبب القيود اضطررنا إلى الخروج قبل موعدنا بنصف ساعة لنحاول الوصول إلى المدرسة عبر قرى تلّ ومادما، إذ خشينا أن تكون طريق بورين مغلقة. 

نحن نعاني من قيود على التنقّل والحركة منذ عام 2000. في كلّ مرّة ينصبون الحواجز، يفرضون القيود، ويغلقون الشوارع. ولأنّني أضطرّ للخروج في الصباح الباكر لا يسعني الوقت لإعداد وجبة فطور لأولادي ولا لقضاء الوقت معهم. أنهض في الخامسة والنصف صباحًا وأخرج مسرعة لكي أصل إلى نابلس، ومن هناك إلى عملي في بورين. أظلّ مرتبكة طيلة الطريق لخوفي أن أتأخّر وأخسر فرصة الانضمام لزملائي في نابلس والسفر معهم إلى بورين. وإذا حصل وتأخرت أضطرّ إلى السفر في تاكسي عمومي، وفي أيام الإغلاق من الصعب جدًا العثور على مكان في التاكسي. 

القيود على التنقّل والحركة تسبب الشعور بالضيق والاختناق. أنت لا تعرف كيف ومن أين يمكنك الوصول إلى مكان العمل أو إلى البيت. 

لا يهمّني بعدُ أسباب إغلاق الشوارع. لا أحد يتكلّم عن ذلك. الناس يتحدّثون فقط عن سُبُل مواجهة هذا الوضع، سبل الوصول إلى مكان العمل، سبل العيش، سبل العودة إلى البيت. هذا الإغلاق لا يخدم أيّ غرض سوى معاقبتنا وإذلالنا، ودون سبب يستدعي ذلك. 

ساتر وضعه الجيش في مدخل بيتا. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016
ساتر وضعه الجيش في مدخل بيتا. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم، 4.9.2016

وعن الخطر على حياة المرضى جرّاء تقييد حرية التنقّل، يتحدّث يوسف موسى محمد ديرية، 40 عامًا، من سكان عقربا، سائق سيارة إسعاف: 

أعمل سائق سيارة إسعاف في مركز الطوارئ في عقربا. مدخل عقربا الشرقي – القديم (شارع عقربا عورتا) مغلق منذ عام 2000. والآن، بعد فرْض القيود على التنقّل، أُغلِق أيضًا المدخل الرئيسي للبلدة. وأيضًا لا يمكن السفر في الشارع الذي يمرّ عبر بيتا، لأن مدخل بيتا مغلق هو الآخر. 

منذ أن فُرضت القيود، في بداية هذا الشهر، أصبح طريق أوصرين الطريق الوحيد إلى بلدتنا. إنها طريق صعبة، متعرّجة لدرجة أننا لا نستطيع السواقة بسرعة حتى في حالات الطوارئ، لأن في الأمر خطورة كبيرة. نحن مسؤولون ليس فقط عن منطقة عقربا، إذ نحن مسؤولون في حالات الصدمة وحوادث الطرق على نطاق كلّ جنوب محافظة نابلس. في هذه المنطقة يتجوّل الكثير من الخنازير البرّية وتتسبّب بحوادث طرق. السفر عبر هذه الطريق يعرقل عملنا ويعرّضنا، نحن والمرضى والمسافرين الآخرين، لمخاطر كبيرة على الطريق. الطريق الوحيدة، عدا طريق أوصرين، تمرّ عبر مجدل بني فضل، في الاتجاه المعاكس. أحسّ وكأنّنا تحت الحصار في المنطقة كلّها. 

قبل عيد الأضحى، عندما كانت الطرق مغلقة، أرسلني مقرّ الهلال الأحمر في نابلس لأخذ مريض من كفر بيتا. سافرت في شارع بيتا – عقربا ووصلت إلى المريض، وكان يعاني من أعراض جلطة دماغية. نقلته إلى سيارة الإسعاف ووصلنا إلى الحاجز الترابي في مدخل بيتا الرئيسي، وكانت تنتظرنا هناك سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر. نقلوا المريض بواسطة نقّالة من سيارة إسعاف إلى سيارة إسعاف أخرى. لو اضطررنا لعمل ذلك في حالة حادث طرق أو حريق فسوف نكون في ورطة كبيرة.