13 عامًا من الإغلاق: قرية بيتين المجاورة لرام الله تحوّلت من مركز تجاريّ نابض إلى قرية أشباح

تم النشر في: 
10.9.13

السدة بالمدخل الرئيسي لقلاية بيتين. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 04.10.12.
السدة بالمدخل الرئيسي لقلاية بيتين. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 04.10.12.

تقع قرية بيتين التي يصل تعداد سكانها قرابة 2,300 نسمة، شمال-شرق رام الله، على شارع 60 الذي يصل بين قضاء رام الله والبيرة وبين الأقضية الشمالية والجنوبية في الضفة الغربية والغور. إلى جانب ذلك، فإنّ القرية تقع على مفترق طرق بين رام الله والبيرة وبين القرى التي تقع شرقيّها، ويراوح تعداد سكان هذه القرى بين ستين إلى سبعين ألف نسمة.

كانت القرية حتى الانتفاضة الثانية مزدهرة اقتصاديًا واجتماعيًا. ونتيجة للحركة النشطة بالقرية وقربها من رام الله، أضحت مركزًا للكثير من المصالح التجارية واُستثمرت فيها الأموال في البناء السكني وتطوير الخدمات الطبية. وانضمّ إلى سكان القرية مئات الأشخاص الذين استأجروا منازل فيها، بسبب موقعها المريح.

مع اندلاع الانتفاضة الثانية ضرب الجيش حواجز ومعيقات على الطرق في أنحاء الضفة الغربية، وقد سدّ الجيش في إطار هذه السياسة مدخليْ القرية: المدخل الرئيسيّ الذي من جهة البيرة، والذي يؤدّي طريق الوصول إليه إلى شارع بيت إيل أيضًا، أُغلق ببوابة حديدية وسواتر ترابية. وقد وُضع ساتر ترابيّ أيضًا عند المدخل الجنوبيّ الشرقيّ، المؤدي إلى شارع رقم 60. كم قام الجيش بنصب حاجز بيت إيل الـ DCO على الطريق بين القرية والبيرة، والذي يُسمح فيه بمرور الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات VIP والعاملين في المؤسّسات الدولية، فقط.

اليوم، يمكن الوصول إلى القرية والخروج منها عبر المدخل الشماليّ فقط، المؤدّي إلى قرية عين يبرود. ويتلوّى مسار السفر من المدخل الشماليّ إلى القرية وحتى البيرة قرابة 15 كيلومترًا بين القرى، بدلاً من مقطع يصل طوله إلى قرابة الكيلومتر الواحد، يمتدّ من المخرج الرئيسيّ للقرية وحتى البيرة. وقد ارتفعت تكلفة السفر بالمواصلات العامة من القرية إلى رام الله من شيكلين اثنين قبل الإغلاق إلى سبعة شيكلات بعده (للاتجاه الواحد).

دكانين مغلقة بالشارع الرئيسي في قرية بيتين. تصوير: سهير عابدي، بتسيلم، 18.06.13.
دكانين مغلقة بالشارع الرئيسي في قرية بيتين. تصوير: سهير عابدي، بتسيلم، 18.06.13.
 

في أعقاب إغلاق مدخلي القرية اغلقت غالبية المصالح التجارية وهاجرالسكان الذين انتقلوا للسكن فيها بفضل قربها المريح من البيرة ورام الله. وقد أُغلقت قرابة 25 مصلحة تجارية وجُمّدت ثمانية مشاريع بناء سكنية. ويقول السيد ذياب محمد بدوان، رئيس مجلس القرية، إنّ قرابة نصف القوى العاملة في القرية، والتي تصل إلى قرابة 1,000 نسمة، معطلة عن العمل. ويعمل المتبقون في وظائف في رام الله وفي مصالح تجارية وفي الزراعة في القرية والمنطقة.

في عام 1972، فتح فريد عبد الرحمن حمايل وأخواه من قرية مالك مصلحة تجارية لبيع الأحجار والرخام في قرية بيتين. وفي عام 1996 انتقل حمايل مع عائلته إلى القرية. وفي الإفادة التي أدلى بها أمام بتسيلم، وصف نجاح المتجر الذي اعتاش منه أفراد عائلته بكرامة، إلى حين اندلاع الانتفاضة الثانية:

 فريد عبد الرحمن حمايل. تصوير: اياد حداد"ربط الشارع بين رام الله وبين شمال الضفة وكانت فيه حركة تجارية يقظة لا يمكن وصفها. الجميع استخدم هذا الشارع، العرب واليهود. لقد كانت الحالة التجارية في المنطقة ممتازة. ونجح متجرنا نجاحًا كبيرًا وكان دخلنا عاليًا. أنا وأخوتي الخمسة وأفراد عائلاتنا، أكثر من 50 نسمة، كنا نعتاش من المتجر {...} واستمرّ هذا الوضع الممتاز حتى عام 2000. بعد اندلاع الانتفاضة الثانية ونصْب الجيش الإسرائيليّ للمعيقات والحواجز، بدأ تأثير ذلك على عملنا ودخلنا، وعلى علاقاتنا العائلية والاجتماعية مع الناس في القرى المجاورة، أيضًا. وعندما أغلق الجيش الشارع الرئيسيّ المؤدي إلى رام الله بشكل تامّ ولم يعد حتى بوسعنا العبور مشيًا على الأقدام، حلّ شلل كامل على التجارة والبناء وعلى جميع الفعاليات السياسية والاجتماعية في القرية. وقد انخفض حجم مبيعاتنا بأكثر من 90%. وحتى اليوم تمرّ أحيانًا شهور كاملة من دون أيّ دخل".

واضطرّ فريد حمايل إلى فصل عماله العشرين الذين كان يُشغلهم، وخرج اثنان من أخوته للبحث عن عمل كعمال في أماكن أخرى.

كما مسّت الإغلاقات أيضًا بمصادر رزق مزارعي القرية، ويبلغ عددهم قرابة 1,000 مزارع، غالبيتهم زرعوا الأشجار المثمرة مثل المشمش والتين والخوخ والعنب، ودرجوا على بيع ثمارهم في سوق رام الله بأنفسهم، أو بواسطة بائعي الخضار الذين قدموا إلى القرية لشرائها. بعد إغلاق مداخل القرية ارتفعت أسعار نقل البضائع إلى رام الله بشكل كبير، وتوقف تجار الخضار عن القدوم إلى القرية. واليوم لا يزيد عدد الذين يعتاشون على الزراعة في القرية عن 100 مزارع.

ذياب بدوان (57 عامًا)، رئيس مجلس القرية، قال في إفادته أمام بتسيلم:

ذياب بدوان. تصوير: اياد حداد"درجتُ على زرع الأشجار المثمرة، كالمشمش والتين والخوخ والعنب. وقد ذهب قسم من الثمار لاحتياجات عائلتي وكنت أبيع ما تبقى في سوق رام لله. كنت أذهب في غضون نصف ساعة وأبيع الخضروات والفواكه وأعود إلى البيت بدون مشاكل. كان هذا مصدر دخل إضافيًّا للعائلة ولتمويل دراسة الأولاد".

في عام 1995، أقيم في القرية مركز طبيّ متطوّر قدّم الخدمات لجميع سكّان المنطقة. وبعد نصب الإغلاقات أُغلق المركز.

صابر حسن ظاهر (100 عام)، صاحب العمارة التي كان فيها المركز الطبيّ، قال في إفادته أمام بتسيلم:

صابر حسن ظاهر. تصوير: اياد حداد"إستثمرت في تشييد العمارة 600 ألف دولار من مدّخراتي ومن التعويضات التي حصلت عليها لقاء 30 سنة عمل في الولايات المتحدة والأردن وبير زيت. لقد أنجزنًا تشطيبًا ممتازًا وراقيًا للمبنى. كان إيجار الشقة الشهريّ في العمارة يصل إلى 450 دولارًا شهريًا وإيجار المخزن 300 دولار.

قام عدة أطباء باستئجار الطابق الأول، وأقاموا فيه عيادة تخصّصت في عدة مجالات: أنف وأذن وحنجرة، جراحة، أمراض مزمنة وأشعة، وكان فيها مختبر أيضًا. وخطط الأطباء لاستئجار العمارة برُمّتها مستقبلاً. وقد وفر المركز الخدمات لسكان القرية والقرى المجاورة، ووصل إليه مرضى حتى من رام الله ومدن أخرى. وقد أجّرت الشقق الأخرى لأشخاص كانوا يعملون في رام الله، حيث كان بالإمكان الوصول إليها في عدةّ دقائق {...} لقد كانت للإغلاقات إسقاطات بالغة الصعوبة على حياتنا. ففي لحظة تحوّل شارع بيتين إلى شارع مهجور لا ترى فيه أحدًا. وبدأ المستأجرون بالانسحاب واحدًا وراء الآخر، ومنذ العام 2003 ظلت العمارة شاغرة".

حاجز بيت إيل ال DCO، تصوير: سهير عابدي، بتسيلم، 18.06.13.
حاجز بيت إيل ال DCO، تصوير: سهير عابدي، بتسيلم، 18.06.13.

كما أنّ الإغلاقات مسّت بالتعليم. فالمعلمون الذين درسوا في مدارس القرية، ولم يكونوا من سكان القرية تركوا العمل. وبلغ عدد الطلاب الذين درسوا في مدارس رام الله قبل الإغلاق قرابة 250 طالبًا، حيث أنّ هذه المدارس تعتبر أفضل من مدارس القرية، ولكن بسبب الصعوبة في الوصول إلى المدارس تقلص عددهم إلى قرابة 100 طالب.

واليوم، ترى شارع القرية الرئيسي موحشًا. السيارات تكاد لا تمرّ فيه والكثير من المصالح التجارية الواقعة على جانبيْ الشارع مغلقة. كما أنّ المباني والعمارات شاغرة ومهجورة والمناطق الزراعية مهملة. أضف إلى ذلك أنّ إغلاق المخرج إلى شارع 60 فصل القرية عن قرية برقة الواقعة جنوبها، مما أدّى إلى قطع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين القريتين. طلاب من قرية برقة تلقوا دراستهم في مدارس بيتين ودرج سكان برقة على تلقي العلاج الطبيّ في قرية بيتين. ووصف رئيس المجلس إسقاطات الإغلاق على العلاقات الاجتماعية مع سكان القرى المجاورة، التي لعبت في السابق دورًا مركزيًا في حياة السكان: "في السابق كان الناس يأتون في المساء، لمجرّد لعب الشدة أو للزيارة، واليوم لا يأتون. الناس يستصعبون الوصول إلى القرية أو الخروج منها وهم لا يصلون إليها إلا في المناسبات العائلية."

ردّت الإدارة المدنية جميع محاولات سكان القرية من أجل فتح الإغلاقات، وذلك بمسوّغات أمنية. في شهر نيسان 2013 توجّه هموكيد- مركز الدفاع عن الفرد، بواسطة المحامي يدين عيلام، إلى العميد نيتسان ألون، قائد لواء المركز، وطلب السماح لكلّ فلسطينيّ أيًا كان –وليس فقط لمن يحملون بطاقات VIP- بالمرور عبر حاجز الـ DCO. وقد قُدم هذا الطلب باسم رؤساء بلديتيْ رام الله والبيرة ورؤساء تسعة مجالس أخرى في المنطقة، ووصف فيه المحامي عيلان الانتهاك الجسيم اللاحق بالحقوق الأساسية الخاصة بسكان المنطقة، ومنها الحق في حرية الحركة وحرية العمل والملكية والتربية والكرامة. وإثر عدم تلقي أيّ ردّ موضوعيّ، توجّه المحامي عيلام في يوم 22/8/2013 إلى نيابة الدولة برسالة تمهيدية قبل التماس العليا، إلا أنه لم يتلقّ أيّ ردّ موضوعي على هذا التوجّه، حتى يومنا هذا- 9/9/2013.

• تم تسجيل الإفادات من قبل الباحث الميداني في بتسيلم اياد حداد.