جنود بلباس مدنيّ أطلقوا النار على فلسطينيين اشتبهوا بالجنود لصوصًا فخرجوا للدفاع عن ممتلكاتهم، وقتل الجنود واحدًا منهم

تم النشر في: 
24.4.12

رشاد شوخة, زوجته تغريد وابنتهم. الصورة بلطف من العائلةفي ساعات الليل المتأخرة من يوم 27/3/2012 قام أفراد من قوات الأمن الاسرائلية يرتدون اللباس المدنيّ وجنود دخلوا إلى قرية رمّون الواقعة شمال شرقي رام الله، بإطلاق النار على ثلاثة أخوة من عائلة شوخة: أكرم (36 عامًا)، أنور (38 عامًا) ورشاد (28 عامًا). وقد أصيب الأخوة الثلاثة حيث تلقى كلّ واحد منهم عيارات نارية وأخذهم الجنود إلى مستشفى "شَعَريه تْسِيدك" في القدس، حيث أُدخِلوا هناك إلى العناية المكثفة. وفي يوم 2/4/2012 توفي رشاد شوخة متأثرًا بجراحه في المستشفى.

ومن خلال الاستقصاء الذي أجرته منظمة "بتسيلم" يتضح أنّ الأخوة الثلاثة يعيشون مع عائلاتهم في مشارف قرية رمّون، في الجهة الشمالية الشرقية. وروى الأخوة أنه في أعقاب حالات السرقة التي وقعت في القرية مؤخرًا، فإنهم يقومون بدوريات حراسة في الليالي. ووفقا للإفادات التي جمعتها "بتسيلم"، فإنه في يوم 27/3/2012، وقرابة الساعة 1:30 ليلا، استيقظ أكرم شوخة للحراسة ولاحظ من خلال شُبّاكه شخصيْن بلباس مدنيّ كانا على بعد قرابة خمسين مترًا من البيت. فاتصل أكرم لإيقاظ أخويْه أنور وراشد، وهكذا قام الأخوة الثلاثة الذين اشتبهوا بأنهم لصوص، بالخروج إلى الشّارع وصاحوا على الشّخصين بالتوقف. وقد حمل أكرم شوخة بيده هراوة فيما حمل كلّ من رشاد وأنور سكينًا.

عندما وصل الأخوة إلى بُعد أمتار معدودة عن الشخصيْن وطلبوا منهما أن يُفصحا عن هويتيْهما، استلّ أحدهما مسدّسًا وأطلق الرّصاص على رقبة أنور شوخة. بعدها، ووفق الإفادات، استلّ الشخص الثاني أيضًا مسدسًا، وكردّ فعل على ذلك حاول الأخوان مهاجمة الاثنيْن، إلا أنهما أطلقا النار عدة مرات وأصابا أكرم ورشاد في البطن.

ومن المعلومات المتوفّرة لدى "بتسيلم" يتضح أنّ جنودًا يرتدون الزيّ العسكريّ وصلوا في هذه المرحلة من الجهة الجنوبية الشرقية. وكان رشاد وأنور مستلقييْن وقتها على الأرض، وقال أكرم الذي ظلّ واقفًا رغم إصابته، واصفًا ما حدث:

اكرم شوخة. تصوير: اياد حداد، بتسيلمفي تلك اللحظة رأيت عددًا كبيرًا من الجنود أتوْا من تحت، من جهة بيت أبو يوسف، وهم يصرخون "توقف، توقف!". شعرت ببعض الراحة لأنني ظننت أنّ الجيش سيردع المسلحيْن ويوقفهما، دون علاقة بهويتهم. وما أن اقترب الجنود حتى أمرني أحدهم بالتوقف وهو يصوّب بندقيته نحوي. أنا طبعًا لم أتحرك وكانت يداي مرفوعتين إلى الأعلى كي يروا أنني لست عنيفًا. بعدها بدأت بالتحدث معه: "اللصوص أطلقوا النار علينا، أنا مصاب ببطني، أنا مصاب". حاولت أن أنزل يديّ كي أرفع القميص ليرى الجرح، وعندها أطلق الجندي الرصاص باتجاهي وأصابني برصاصة ثالثة في جهة البطن اليمنى، وعندها وقعت على الأرض.

وأفاد أكرم شوخة لـ "بتسيلم" بأنّ الجنديّ نفسه اقترب منه بعدها وشتمه وركله برجله وداس على رأسه. ووفقًا لأقواله، قام جنديّ آخر بإطلاق عدة رصاصات على أخيه رشاد وهو مُستلقٍ على الأرض. وعند توقف إطلاق الرّصاص تلقى الأخوة علاجًا طبيًا أوّليًا من مُضمّد عسكريّ ونُقلوا بسيارات عسكرية إلى سيارات الإسعاف التي أقلّتهم إلى مستشفى "شعريه تسيدك" في القدس.

في يوم 2/4/2012 توفي رشاد شوخة متأثرًا بجراحه في المستشفى. ومن التقارير الطبية يتضح أنه أصيب في بطنه بأربعة عيارات نارية، أدّت إلى تمزق أمعائه في عدة مواقع وإلى تمزّق في الطحال، فيما أصابه عيار ناريّ آخر في ذراعه اليسرى, وبعد أن خضع لعدة عمليات جراحية طرأ تدهور على وضعه.

ووفق التقارير الطبية، أصيب أنور شوخة برصاصة اخترقت رقبته وخرجت من الجهة الشمالية لظهره. وقد خضع للعلاج في الوحدة الجراحية في المستشفى وخرج من هناك في يوم 8/4/2012. وقد أصيب أخوه أكرم شوخة بأربع إصابات نارية في بطنه وخرج من المستشفى في يوم 6/4/2012، بعد أن خضع للعلاج في الوحدة الجراحية.

ويثير الاستقصاء الذي أجرته "بتسيلم" شكوكًا وشبهات تتعلق بمسلكيات الجنود في هذه الحادثة. ومن الإفادات يتضح أنّ الأخوة لم يُدركوا أنهم يواجهون جندييْن بلباس مدنيّ وشكّوا في كونهما لصّيْن، ولذلك خرجوا وهم مسلحون بهراوة وسكاكين. كما يتضح من الاستقصاء أيضًا أنّ الشخصيْن اللذيْن يرتديان اللباس المدنيّ تجاهلا طلب الأخوة بالتعريف بنفسيْهما، وبدلا من ذلك استلا سلاحيْهما. وحتى في حال تعرّض الجندييْن للخطر بعد أن كشف الأخوة وجودَهم، كان عليهم أيضًا أن يُفصحوا عن هويتيهم أمامهم على أنهم جنود وأن يُحذّراهم قبل إطلاق النار. علاوة على ذلك، يتضح من الإفادات والتقارير الطبية أنّ الاثنين لم يُوجّها الرصاص إلى الجزء السّفليّ من أجساد الأخوة الثلاثة، بل إلى مركز الجّسم وأعلاه، بالذات.

أضف إلى ذلك، أنّ الاستقصاء يشير إلى وجود اشتباه كبير بأنّ الجنود الذين ارتدوا اللباس العسكريّ وحضروا إلى المكان بعد إطلاق النار، قاموا أيضًا بإطلاق النار على أكرم ورشاد شوخة، رغم أنّ الاثنين كانا مصابين وكان رشاد ملقيًا على الأرض. ليس هناك أيّ مبرّر لهذا الأمر، وحتى لو كان الاثنان يشكلان أيّ خطر فقد كان بالإمكان تقييد حركتهما بوسائل أخرى.

لم يقم الناطق العسكري حتى الآن بالتطرق إلى تفاصيل الحادثة، واكتفى في التقارير الإعلامية بالإعلان عن وجود استقصاء في الموضوع وبأنّ نتائجه ستُنقل إلى النيابة العسكرية. وفي النشر الأولي عن الموضوع في الإعلام، في إذاعة الجيش يوم 27/3/2012، أُفيد بأنّ مخربين هاجموا جنديًّا من الجيش الإسرائيليّ وطعنوه أثناء عملية عسكرية. وقد دُحضت هذه الرواية حين أخلي سبيل الأخوين من عائلة شوخة من المستشفى الإسرائيلي من دون اتهامها بالاعتداء أو بأيّ تهمة أخرى. ومن خلال تقارير نُشرت لاحقًا في وسائل الإعلام، يتضح أنّ الشخصيْن اللذيْن كانا يرتديان اللباس المدنيّ كانا جندييْن في وحدة "دُفدُفان" للمستعربين، حضرت إلى القرية في إطار تدريب. ووفق أحد التقارير الصحافية ، جرت تنحية أحد الجنود الذين ضربوا المصابين بعد إطلاق النار، من منصبه.

وقد أنذرت "بتسيلم" في السّابق بأنّ طرق عمل وحدات المستعربين، وخصوصًا أوامر إطلاق النار الخاصة بها، ليست قانونية. فالجنود التابعون لهذه الوحدات يدخلون إلى مجموعة سكنية معادية وهم يتنكرون كمواطنين ولا يملكون إلا الأسلحة النارية. وبهذا، فإنهم يشكلون خطرًا كبيرًا بالمسّ بالمواطنين، حيث أنهم سيضطرون لاستخدام السلاح في حال كُشفت هويّاتهم وشعروا بالخطر. وفي هذه الحادثة، وفي حال ثبوت أنّ الجنود دخلوا القرية في إطار تدريب، فإنّ الحديث يدور عن سياسة خطيرة جدًا، حيث أنّ إرسال جنود للتدرّب من خلال التسلل إلى قرية مدنية يؤدّي إلى نشوء خطر مدروس باندلاع مواجهة يمكن أن تؤدي إلى خسارة بالأرواح، وذلك بغية خدمة غاية عامة مفادها تحسين قدرات الجيش الميدانية. فمثل هذه العملية لا تخدم حاجة عسكرية ضرورية، ولذلك فهي ليست قانونية. كما يعكس هذا الشكل من العمل استخفافًا عميقًا لدى الجيش بحيوات المواطنين الفلسطينيين.

في أعقاب هذه الحادثة، توجّهت "بتسيلم" إلى النيابة العسكرية وطالبتها بفتح تحقيق فوريّ لدى الشرطة العسكرية لفحص ملابساتها. وفي إطار مثل هذا التحقيق يجب أيضًا فحص أداء المستوى القياديّ، الذي قرّر الدخول إلى القرية. وبناءً على سياسة التحقيق الجّديدة، التي أعلنت عنها نيابة العامة أمام المحكمة العليا في نيسان 2011، فإنّ "كل حالة يُقتل فيها مواطن... نتيجة نشاط يقوم به الجيش الإسرائيلي في منطقة يهودا والسامرة، ستؤدي إلى فتح تحقيق فوريّ لدى الشرطة العسكرية"، إلا في الحالات التي يُقتل فيها مواطن في نشاط "ذي طابع قتاليّ حقيقيّ". منذ إطلاق هذا التعهّد، فتحت النيابة العسكرية تحقيقا لدى الشرطة العسكرية فورًا بعد جميع الحالات التي قتل فيها جنودٌ فلسطينيين في الضفة الغربية. في هذه الحالة، إصدرت النيابة أمر بفتح تحقيق عسكريّ لدى الشرطة العسكرية اليوم 24.4.12، قرابة شهر بعد وقوع الحادثة.