وفاة عطاف زلط، 43 عاما، جراء إطلاق النار عليها من قبل الجنود في طولكرم، 1.5.06
بتاريخ 1.5.06، في ساعات ما قبل الفجر، وأثناء حملة لاعتقال أحد المطلوبين من ضاحية ذنابة في مدينة طولكرم، قام جنود من وحدة المستعربين ("دوفدوفان") بإطلاق النار باتجاه الطابق الثاني في بناية سكنية تقع في الضاحية، مما أدى إلى مقتل عطاف زلط، 34 عاما، وجرح ابنتيها الاثنتين: أحلام، 21 عاما، التي أصيبت بجراح متوسطة، وأنسام، 15 عاما، التي أصيبت بجروح طفيفة.
وقد عبرت المصادر العسكرية، من خلال وسائل الإعلام، عن الأسف لوفاة المرأة، غير أنها بررت إطلاق النار باتجاه شقتها، بحجة إن المطلوب كان ساكناً ثانوياً في الشقة، وأن الجنود شرعوا في إطلاق النار بعد أن لاحظوا "حركة مشبوهة". مع هذا، ادّعى المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي في جوابه للكتاب الذي تقدّمت به منظمة بتسيلم بعد الحادث بأكثر من اسبوعين، ان المرأة قتلت نتيجة اطلاق "نار انذدر" الذي يهدف الى جعل المطلوب التي تسيلم نفسه. غير انه يتضح من التحقيق الذي أجرته بتسيلم، ان المطلوب لم يسكن في شقة السيدة ولم يمكث بها، وأنه خلال إطلاق النار الفتاك لم تكن حياة الجنود معرضة لأي خطر. تطالب منظمة بتسيلم المدعي العسكري الرئيسي
عدم الاكتفاء بالتحقيق الميداني انما
بإصدار أوامره الفورية لفتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية لاستبيان ملابسات الحادثة.
تسلسل الحادثة
كان إياد معين هو الهدف من وراء العملية العسكرية، وقد كان يسكن في شقة من بين الشقتين الاثنتين في الطابق الأول من البناية، وقد كانت الشقة المجاورة لشقته شاغرة. في إحدى الشقق كانت تعيش عائلة يوسف زلط بإفرادها الخمسة، بينما يسكن الزوجان من آل المصري في الشقة الثانية. الشقتان الاثنتان مستأجرتان. وفي إفادته لبتسيلم، أفاد صاحب البناية، المدعو عبد الهادي تقاوة، أنه أثناء تأجير الشقة، قدم معين نفسه على انه وسام عبد العزيز، من خلال إبراز وثائق مزورة.
بتاريخ 1.5.06، قرابة الساعة 03:30 فجرا، اقتحم حوالي عشرون جندي من وحدة "دوفدوفان" بيت عثمان رشيد عثمان، الموجود في الطابق الثاني من بناية الشقق الواقعة على بعد حوالي 30 مترا إلى الشرق من البناية التي يسكن فيها معين. في مرحلة معينة خلال العملية، سيطر جنود الوحدة على موقع إضافي في بناية أخرى تقع إلى الناحية الغربية من البناية التي يقطن بها الشاب المطلوب.
قرابة الساعة 03:45 فجرا، استيقظ يوسف زلط على أصوات النداء عبر الميكروفونات التي أطلقها الجنود مطالبين بـ "الخروج من البيت"؛ وقد اعتقد يوسف زلط أن النداءات موجهة إلى سكان البناية المجاورة، ولهذا السبب فقد بقي مع أفراد عائلته داخل بيته. بعد مرور حوالي ربع ساعة، سُمعت أصوات انفجارات صادرة عن قنابل صوتية، فاستيقظ جميع أفراد أسرة زلط من نومهم واجتمعوا في صالون البيت. طبقا للتقارير في وسائل الإعلام، فقد أُلقيت القنابل "لغرض الردع" وليس رداً على إطلاق النار أو إلقاء الحجارة من قبل الفلسطينيين. ولاحقا، حوالي الساعة 04:45، انضم الزوجين من عائلة المصري الى عائلة زلط.
قرابة الساعة 05:10، مباشرة بعد رنين المنبه الخاص في الهاتف النقال الخاص بإحدى بنات عائلة زلط، أُطلقت النار الغزيرة بصورة مفاجئه ولعدة ثوان تجاه منزل الأسرة. وقد تزامن إطلاق النار في الوقت ذاته من بيت عثمان ومن البيت الإضافي الذي تمركز فيه الجنود من قبل ذلك. وقد وجهت النار التي أطلقت من بيت عثمان إلى شباك المطبخ، المفتوح على صالون الشقة، حيت كان يمكث أبناء الأسرة والجيران. وقد أسفر إطلاق النار عن إصابة أحلام زلط بيدها وفخدها؛ بينما أُصيبت أنسام زلط، 15 عاما، بجروح طفيفة بفعل الشظايا. بعد ثوان معدودة، أُصيبت الأم، عطاف زلط، بعيار ناري اخترق رأسها، ولقيت حتفها على الفور.

رسم بياني لموقع الحدث. في المركز منزل عائلة زلط، ومن ناحية الشمال منزل عائلة عثمان، الذي اطلقت منه النيران على افراد عائلة زلط.
بعد إطلاق النار فوراً، خرج يوسف زلط من البناية ويداه مرفوعتان إلى الأعلى من أجل طلب المساعدة. وقد توجه يوسف زلط إلى أحد الجنود في الشارع وطلب منه السماح لسيارة الإسعاف التي تقف في نهاية الشارع بالتقدم إلى مدخل البناية من أجل إخلاء ابنتيه الجريحتين. وقد كان من الواضح ليوسف زلط في هذه المرحلة أن زوجته قد قتلت. وقد رفض الجندي الاستجابة لطلبه، لكنه وافق على السماح ليوسف زلط بنقل ابنتيه إلى المكان الذي تتوقف فيه سيارة الإسعاف.
بعد ذاك بوقت قصير، قام إياد معين بتسليم نفسه للجنود. ولم تُشر التقارير حول اعتقاله إلى وجود ذخيرة في المكان؛ وبناء على ذلك، يمكن الافتراض أن معين لم يكن مسلحاً. يستدل من الإفادات التي قامت بتسيلم بجمعها أنه على مدار الحادث كله لم تُطلق أي طلقة على جنود القوة. وبعد اعتقال معين، قامت جرافة عسكرية بتقويض الجدار الحجري المحيط بالبناية وهدم أحد جدران الشقة التي يعيش فيها معين.
غادر الجنود الحي في الساعة 8:30.
أحقا كان إطلاق النار مبررا؟
طبقا لمصادر الجيش الإسرائيلي، فقد أطلق الجنود النار بعد أن لاحظوا "حركة مشبوهة" في الشقة. ومع هذا، وطبقا لإفادات أفراد الأسرة الذين كانوا يمكثون في الشقة، من غير الواضح ما هو الشيء الذي أثار الشكوك لدى الجنود. كما أن الادعاء بخصوص الحركة المشبوهة التي تبرر ظاهريا الشروع في إطلاق النار، هو بحد ذاته غريب، على ضوء البعد القريب نسبيا، حوالي 30 الى 40 مترا، ما بين شقة عائلة زلط وما بين موقع المراقبة الخاص بالجنود في بيت عثمان، آخذين بعين الاعتبار وسائل الرؤية المتطورة، بما في ذلك الرؤية الليلية، الموجودة في غالب الأحيان تحت تصرف الجنود.
علاوة على ذلك، حتى لو كان الجنود حقا قد رصدوا "حركة مشبوهة"، كما تزعم المصادر، من غير الواضح بتاتاً كيف كان يمكن لمثل هذه الحركة أن تشكّل خطرا على حياة أفراد القوة. لقد كان الجنود الذين يطلون على الشقة من البنايتين المجاورتين يتمركزون من وراء الجدران، وهم بالتأكيد لم يكونوا مكشوفين لإطلاق النار. أما الجنود الذين بقوا في الشارع فقد وقفوا إلى جانب سيارتي الجيب المصفحة التي نقلت القوة، ومن المعقول الافتراض أن الجنود استعملوا هذه الجيبات من أجل الاحتماء بها أثناء حصار البيت.
أورد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في كتابه إلى يوم 18.5.06 قصة مختلة نوعا ما حول سبب إطلاق النار. فحسب ما أفاده، لم يشرع الجنود بإطلاق النار باتجاه البيت كرد على "حركة مشبوهة" إنما في نطاق "إطلاق نار إنذار"، الذي هدف لجعل المطلوب يسلّم نفسه للجنود. ومع ذلك، فهذا الادعاء اغرب من الادعاء السابق لان الرصاصة التي أصابت رأس عفاف زلط لم تكن "رصاصة طائشة" التي اخترقت شقتها كما يتضح من قصة المتحدث باسم الجيش، إنما كانت جزءا من إطلاق نار متقاطع الذي وجّه إلى شبابيك الشقة واستمر لبعض الوقت.
أصابع خفيفة على الزناد
منذ بداية العام 2004 ولغاية هذه الحادثة، قتلت قوات الأمن الإسرائيلية 157 شخصا خلال عمليات اعتقال المطلوبين في الضفة الغربية، 35 قتيلا على الأقل من بين القتلى كانوا من المدنيين الذين لا علاقة لهم بأهداف العملية بأي شكل من الأشكال، إلى جانب 54 قتيلا كانوا من المطلوبين، لكنهم لم يكونوا مسلحين أو لم يستعملوا السلاح أثناء إطلاق النار عليهم وقتلهم.
إن ظاهرة قتل المواطنين الأبرياء والمطلوبين الذين لم يشكلوا خطرا على الجنود خلال عمليات الاعتقال ليست مجرد جُملة من "الأخطاء المؤسفة" أو نتيجة "لا يمكن تجنبها" لظروف وملابسات كل حادث من الحوادث. إن الحديث يدور عن نتيجة مباشرة لسياسة الجيش.
منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، قام الجيش الإسرائيلي بتغيير تعليمات الشروع بإطلاق النار عامة، وتعليمات الشروع بإطلاق النار المتبعة عند عمليات اعتقال المطلوبين بصورة خاصة، بطريقة تشجع انتهاج "السبابة الخفيفة على الزناد". ومن بين ذلك، يتم توجيه جنود الجيش الإسرائيلي إلى الإطلاق الحي للنيران حتى في الأحوال التي لا يكونون فيها معرضين للخطر. يتم إعطاء التعليمات للجنود بصورة شفهية، وفي بعض الأحيان بصورة غامضة وضبابية، الأمر الذي يُبقي مساحة واسعة من التفاسير ويترك مجالا واسعا للنقل الجزئي أو الخاطئ للتعليمات. بالإضافة إلى ذلك، ومنذ بداية الانتفاضة، تمتنع النيابة العسكرية عن الشروع بتحقيقات من قبل الشرطة العسكرية بخصوص مقتل الفلسطينيين جراء إطلاق النار من قبل جنود الجيش الإسرائيلي، ما عدا بعض الحالات الشاذة. هذا الأمر يولد جوا من الحماية والحصانة من تقديم الحساب والمساءلة.
يتضح من التقرير الذي نشرته بتسيلم في أيار 2005، والذي يشتمل على وصف وتحليل مفصل لأربع عمليات لاعتقال المطلوبين خلال السنة السابقة التي سبقت نشر التقرير، أن الجنود عملوا من خلال هذه الحملات وكأنما الحديث يدور عن عملية اغتيال وليس عن عملية اعتقال، من خلال الانتهاك الفاضح لتعليمات القانون الإنساني والدولي. وفي حالتين من بين الحالات، حاصر الجنود البيت الذي مكث به الشخص المطلوب، وأطلقوا النار على شخص آخر كان يعيش في البيت فور قيامه بفتح الباب، وهذا دونما تحذير مسبق، ودون أن يُمنَح أي فرصة لتسليم نفسه. وقد كان القتلى في هذه الحالات غير مسلحين ولم يشكلوا خطراً بأي حال من الأحوال على حياة الجنود. في الحالتين الباقيتين، نجح أفراد قوات الأمن في السيطرة على المطلوبين، ومع هذا، فقد أطلقوا النار عليهم وقتلوهم. إحدى الحالات تتناول حالة شخص رفع يداه دلالة على الاستسلام، وبعد ذلك، جرى إطلاق النار عليه؛ أما في الحالة الثانية، فإن الحديث يدور عن شخص أُصيب بجراح جراء نيران الجنود بعد أن حاول الهرب، وجرى الإجهاز عليه عن طريق إطلاق النار عليه وهو ملقى على الأرض، بعد أن سُحب سلاحه منه.
توجهت بتسيلم إلى المدعي العسكري العام طالبة منه إصدار أوامره بفتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية من أجل استبيان ملابسات مقتل عطاف زلط وجرح ابنتيها، وطبقا للحاجة، العمل على تقديم المسئولين عن هذه الأعمال إلى العدالة.