ترحيل عائلات الى غزة: عقاب جماعي محظور

تم النشر في: 
1.1.11

ترحيل عائلات الى غزة: عقاب جماعي محظور

قررت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا إتباع أسلوب جديد فيما تسميه "الحرب ضد الإرهاب الفلسطيني". فقد اختارت الحكومة إثر توصيات الجهاز الأمني القيام بإبعاد أفراد عائلات أشخاص فلسطينيين من الضفة الغربية، لقيام أحد أقاربهم بالهجوم على إسرائيليين. رغم نص وثيقة جنيف الرابعة على حظر إبعاد سكان المناطق المحتلة، والعقوبات الجماعية، وتنص كذلك على منع التعرض ومضايقةالأبرياء كوسيلة ردع.

فقد قام قائد المنطقة الوسطي في بداية هذا شهر آب 2002 بالتوقيع على أوامر الإبعاد الثلاثة الأولى، مما أضطر الأشخاص الثلاثة الذين صدرت بحقهم هذه القرارات بالّتوجه إلى محكمة العدل العليا لوقف إجراءات إبعادهم. إلا أنّ طلبات هؤلاء الأشخاص تم الرد عليها بتاريخ 3.9.02 بان سمحت هيئة القضاة الموسعة التابعة لمحكمة العدل العليا بإبعاد اثنين ممن تقدموا بهذه الطلبات. وقد نصّ قرار المحكمة على عدم استخدام الإبعاد كوسيلة رادعة فحسب، بل ويجب تطبيق قرار الإبعاد على من يشتبه بان نشاطاتهم قد تمثل خطرا يهدد أمن الدولة في المستقبل. وحال إعلان القرار سارع وزير الأمن بنيامين بن إليعيزر إلى الإعلان عن وجود مرشحين إضافيين سيتم النظر في إمكانية إبعادهم في المستقبل القريب.

وتقوم إسرائيل منذ سنوات، وبشكل سافر، باتباع سياسة العقاب الجماعي ضد السكان الفلسطينيين في أطار ما تسميه "الحرب ضد الإرهاب". ونتيجة لهذه السياسة، قامت إسرائيل بهدم مئات البيوت في مختلف المناطق الفلسطينية والتي تعود لعائلات فلسطينية قام أحد أفرادها بالهجوم- أو يشتبه بان أحد أفرادها قام بالهجوم- على إسرائيليين. ان اختيار إسرائيل لهذه السياسة ينبع من إصرارها على معاقبة أقرباء الأشخاص المتهمين بمهاجمة الإسرائيليين ومن اعتقادها بان هذه السياسة ستعمل على ردع فلسطينيين آخرين وتمنعهم من القيام بأعمال مشابهه وذلك لخوفهم على مصير عائلاتهم. ومؤخرا، وفي أعقاب سلسلة من العمليات المأساوية داخل إسرائيل وفي المناطق المحتلة، والتي أدت إلى مقتل عشرات الإسرائيليين، قررت الحكومة بان توسع دائرة عقابها لعائلات هؤلاء الأفراد وطردهم من بيوتهم. وكان من بين الخيارات الأولية التي تقدم بها جهاز الأمن، خيار إبعاد أقارب هؤلاء الأشخاص إلى خارج المناطق الفلسطينية، إلا أن المستشار القضائي للحكومة قرر أن مثل هذا الإجراء يتنافى مع ا لقانون الدولي ويخالفه. ومع ذلك فقد سمح المستشار القضائي للحكومة مؤخرا بابعاد هؤلاء الأشخاص من الضفة الغربية إلى قطاع غزة ولكن في حدود وظروف معينة.

وكما ذكر، فقد أصدر قائد المنطقة الوسطى أوامر الإبعاد الثلاثة الأولى في يوم 1.8.02. وتم إصدار هذه الأوامر بحق انتصار عجوري وكفاح عجوري وعبد الناصر عصيده. الاثنان من عائلة عجوري هما شقيق وشقيقة علي عجوري الذي تنسب إليه المسؤولية عن عدة عمليات من بينها العملية التي وقعت في منطقة المحطة المركزية في تل أبيب، والذي قتل على يد إسرائيل اما الثالث هو شقيق ناصر الدين عصيده المطلوب لإسرائيل على خلفية مسؤوليته عن عدة عمليات منها العملية التي وقعت في عمانويل.

بعد إصدار أوامر الإبعاد تقدم المرشحون للإبعاد بطلبات استئناف وذلك عن طريق مركز الدفاع عن حقوق الفرد وجمعية حقوق المواطن إلى لجنة استئناف عسكرية والتي بدورها رفضت طلب استئنافهم. ونتيجة هذا الرفض تقدم هؤلاء بطلب استئناف إلى محكمة العدل العليا والتي قررت- وذلك لحساسية هذه "المسالة الجوهرية"- أن تعين هيئة من تسعة قضاة للنظر والمداولة في هذا الطلب. وقد تم يوم 3.9.02 الإعلان عن قرار محكمة العدل العليا في هذه القضية الذي جاء فيه أن الجيش الإسرائيلي يستطيع طرد اثنين من المتقدمين بطلبات الاستئناف.

وقد قررت المحكمة كذلك السماح للضباط العسكريين العاملين في المناطق المحتلة بإصدار "أوامر بشأن تحديد مكان الإقامة". حيث اعتمدت محكمة العدل العليا في قرارها هذا على البند 78 من وثيقة جنيف الرابعة والذي ينص على أن " القوة المحتلة قادرة وحسب ما تمليه الحاجة عليها، وللضرورة الأمنية، بان تتخذ إجراءات أمنية إزاء الواقعين تحت سيطرتها، وهي وفي المقام الأول، وعلى أكثر تقدير، أن تقوم بتحديد مكان إقامتهم أو إيقافهم."

وقد بحث هذا القرار في مسألة استخدام هذا البند من وثيقة جنيف لإصدار أوامر تحديد مكان الإقامة لأغراض الردع بشكل حصري. وقررت المحكمة، وبشكل قطعي لا يقبل التأويل، أن إجراءات الردع لا تمثل أساسا لإبعاد أشخاص أبرياء. وإضافة إلى ذلك أكدت المحكمة على انه " يمنع فرض( الإقامة الجبرية) أو تحديد مكان إقامة الأشخاص المتورطين بأعمال تهدد الأمن ما لم تتوفر الأسباب والظروف الإضافية لاعتبارهم خطرا يهدد الأمن."

وعلى هذا الأساس (عدم اعتبار الردع كأساس لإصدار أوامر لتحديد مكان الإقامة) يظل القرار ساري المفعول حتى في حال إثبات ضرورة استخدام الردع كوسيلة لمنع آخرين من القيام بأعمال مشابهة. وينص القرار أيضا على أن أي أوامر كهذه تصبح قانونية فقط في حال توفر أدلة واضحة بأن الشخص الصادر في حقه هذا الأمر يشكل خطرا على امن الدولة وبأن إصدار هذا الأمر يمنع هذا الخطر. في حالة كهذه – يصبح فيها عنصر منع الخطر واجباً- تلعب العوامل الرادعة دوراً في تحديد الخطوات الموجب اتخاذها لمنع الخطر. وقد أصرت المحكمة بأنه يجب أن يكون الخطر بمستوى يصبح معه عدم إصدار أمر تحديد الإقامة خطرا حقيقيا على امن الدولة.

وبالرغم من كل ما تقدم إلا أن مداولة المحكمة في قضية انتصار وكفاح عجوري اللذين قررت المحكمة السماح بطردهما، تتطرق إلى اتهامها بالقيام بأعمال كانا قد قاما بها ولكن في الماضي وأثبتت كذلك تورطهما في تقديم العون لأبن عائلتهم والذي فارق الحياة. ولم تتطرق الدولة في ادعائها إلى أي شيء يخص الخطر المستقبلي الذي قد يمثله هذان الشخصان، والغريب أيضا أن هذا الأمر لم يتم ذكره في قرار المحكمة، بالإضافة إلى ذلك فأنه خلال مداولة لجنة الاستئناف العسكرية فيما يخص أمر الأبعاد الصادر بحق انتصار عجوري اعترف أحد رجال "الشباك" بأنه وحتى هذا اليوم لم يكن ليوصي حتى على قرار إيقافها أو سجنها إدارياً.

وقد تجاهلت المحكمة كليا، في بداية المداولة في موضوع طرد أفراد العائلات حقيقة أن الدولة لم تذكر في ادعائها أن الحديث يدور حول خطر مستقبلي ظاهر وحقيقي. ولم يتطرق النقاش العام أو القضائي الذي دار قبل إحالة القضية إلى محكمة العدل العليا حول إبعاد أبناء عائلات المنتحرين أو المشتبه بهم بالتخطيط لعمليات للعوامل التي من شأنها تجنب أو منع الأخطار وقد ركز بشكل أساسي على عوامل الردع الناتجة عن معاقبة أفراد عائلات المنتحرين، وكذلك فإن الادعاءات بتورط أفراد العائلة بشكل فعلي بتهديد امن الدولة لم يتم ذكرها إلا في مرحلة متأخرة من مراحل القضية وذلك بعد البدء في مداولة القضية في محكمة العدل العليا.

نتائج قرار المحكمة هذا تتنافى والقانون الإنساني الدولي. وكذلك فان البند 78 من وثيقة جنيف لم يكن القصد منه السماح (بتحديد مكان الإقامة – أو الإقامة الجبرية ) لأفراد عائلات المشتبه بهم بتهديد امن الدولة. وحسب التفسير الصحيح والمقبول لهذا البند فأن قرار ( تحديد مكان الإقامة - أو الإقامة الجبرية) يتم استخدامه في حالات خاصة جداً وذلك بأن يمثل شخص معين خطرا حقيقيا على امن الدولة المحتلة وبشرط النظر في مثل هذه القضايا بشكل فردي دون تحويلها إلى عقاب جماعي. وهذه الشروط لم تتوفر في هذه القضية التي نحن بصددها.

بالإضافة إلى ذلك فإن إبعاد أفراد العائلة إلى غزة لا يشكل خرقا للبند 78 لوثيقة جنيف الرابعة فحسب بل البند 49 من نفس الوثيقة، والقاضي بمنع إبعاد سكان المناطق المحتلة إلا في الحالات الطارئة جدا بحيث يصب قرار الإبعاد في مصلحة المبعدين ، أو بسبب احتياجات عسكرية طارئة. ولكن وفي هذه الحالة بالذات لم يتوفر أي شرط من هذه الشروط. إن خرق البند 49 هذا يشكل انتهاكا خطيرا لوثيقة جنيف الرابعة ويعتبر جريمة حرب.

وان معاقبة أفراد العائلة على أفعال لم يقوموا بها ولمجرد كونهم أقارب المشتبه بهم تشكل عقابا جماعيا يتنافى والقانون الدولي. ورغم ذلك فان إسرائيل ماضية ومنذ سنين طويلة في سياسة التعرض وإيذاء الأبرياء بحيث قامت في إطار هذه السياسة بهدم بيوت العائلات وفرضت قيودا مجحفة على حركة الفلسطينيين في المناطق وغيرها من المضايقات.

إن قرار إبعاد أفراد العائلة إلى قطاع غزة موجه إلى أشخاص لم يتم إثبات تورطهم في تهديد أمن دولة إسرائيل وهدفه الأساسي هو ردع آخرين من تنفيذ أفعال مشابهة ولذلك فهو غير قانوني. وإذا كان هؤلاء المتقدمين بطلب وقف إجراءات إبعادهم يشكلون خطرا فعليا وحقيقيا على أمن الدولة فيجب أولا أن تقدم ضدهم لائحة اتهام وان تتم محاكمتهم بشكل قانوني.