إشتباه: جنود نكّلوا لساعات بشابّ فلسطينيّ في الخليل

تم النشر في: 
26.3.12
تم التعديل في: 
10.10.12

مستجدات: في 30/4/2012 بلغ قسم الإشراف على التحقيقات في الشرطة العسكرية "بتسيلم" بفتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية لفحص الشكوى.

محمد محارمة. تصوير: موسى ابو هشهش, بتسيلم, 19.3.12في ساعات الصّباح من يوم الاحد 11/3/2012، كان إسحاق محارمة وابنه محمد في بيتهما في البلدة القديمة في الخليل. ومن خلال الإفادتيْن اللتيْن أدلى بهما الاثنان لمنظمة "بتسيلم"، يتضح أنّهما سمعا أصوات ضجّة قرابة السّاعة 11:00، تأتي من صوب سقف البيت. وفيما بعد رأيا عددًا من الجنود يقفون على السطح. صعد الاثنان السطحَ وسألهما الجنود إذا كانا قد ألقيا الحجارة صوبهم. وقد أجاب اسحق، ابن الـ 50 عامًا وأب لتسعة أبناء، بأنهما لم يفعلا ذلك. واحتجّ أمامهم على صعودهم سطح البيت بدلا من الدّخول من الباب، وعندها اندلع جدال بينه وبين الجنود، حيث قام أحد الجنود خلاله بضربه بسلاحه على رأسه.

وقد حاول ابنه محمد، طالب جامعيّ 22 عام، أن يمنع الجنود من ضرب أبيه. وقال في إفادته لمنظمة "بتسيلم":

"صرخت على الجنديّ الذي اعتدى على أبي وقلت له إنّ أبي مريض. تقدّم الجنود إليّ ودفعوني إلى داخل غرفة موجودة على السّطح. فشتموني وبدأوا بركلي وضربي بأعقاب بنادقهم. رأيتهم يعتدون على أبي أيضًا. بعدها أنزلنا الجنود إلى داخل البيت عبر الدرج وحاولوا السيطرة عليّ وتقييدي بالأصفاد. حاولت منعهم من ذلك وقلت لهم إنني لم أفعل شيئًا وإنني أطلب حضور الشرطة. ثم رأيت أبي يضرب رأسه بالحائط عدة مرات جراء اليأس. وحاولت أمي أن تساعدني ووقفت بيني وبين الجّنود، إلا أنّ واحدًا منهم دفعها باتجاه الحائط. في تلك الأثناء وقع أبي على الأرض، واستلقى بين أرجل الجنود ولم يتحرّك. قلت للجنود: كبلوني وخذوني ولكن دعوا أبي".

كبّل الجنود يديْ محمد وأخرجوه إلى الشارع. وفي إفادته قال إنهم دفعوه إلى داخل مدخل بيت آخر وبدأوا بضربه ثانية. ويقول محمد إنه نجح في فكّ القيد عن يده وبدأ بإزالة عصبة العينيْن. وقال في إفادته:

"عندما رأى أحد الجنود أنني تخلصت من القيد على يديّ، أطلق رصاصتيْن في الهواء وبعدها صوّب بندقيته باتجاه صدري. اِعتقدتُ أنه على وشك أن يطلق النار عليّ ويقتلني، ولكنّ أمّي التي كانت تقف بجانبي وقفت بيني وبين الجّندي واحتضنتني".

بعد ذلك، قيّد الجنود يديْ محمد محارمة ثانية واقتادوه هو وأبوه، وهما حافيان، إلى القاعدة العسكرية في منطقة شارع الشهداء، على بعد عدة مئات من الأمتار. حاولت أم محمد أن تعطيه حذاءَ بيت لكنّ الجنود لم يسمحوا لها بذلك. وفي مرحلة معينة غطّى الجنود عينيْ محمد. وقال إنّ الجنود واصلوا ضربه وهو في طريقه إلى القاعدة فيما كانت يداه مربوطتين إلى الخلف وعيناه معصوبتين. في الطريق إلى القاعدة العسكرية انهار الأب إلا أنّ الجنود لم يأخذوه لتلقي العلاج الطبيّ، بل مددّوه على نقّالة وأخذوه إلى القاعدة. ويقول الأب إنه استردّ وعيه في غرفة في القاعدة العسكرية وهو مُستلقٍ على نقالة. وقد وفّر له جنديّ العلاجَ الأوليَّ ومن ثم أبقوه في الغرفة بحراسة جنود.

أدخل الجنود محمدًا وعيناه معصوبتان إلى غرفة في القاعدة العسكرية. وقال:

"جلست على كرسيّ وبدأ الجنود من حولي بضربي. وقد استمرّ هذا الوضع قرابة ربع ساعة، وعندها اقترب مني جنديّ يتحدّث العربية. كان رأسي مُدلًى، رفعه الجنديّ بيده وضربني ضربة قوية بركبته على صدري. شعرت بمذاق الدّم في فمي فبصقتُ. قام أحد الجنود بركل الكرسي الذي كنت أجلس عليه فوقعت إلى الخلف. ضُرب رأسي بشي ما. سمعت الجنود يضحكون. بعدها بدأ أحد الجنود بضربي بعصًا خشبية. أعتقد أنها كانت جزءًا مكسورًا من الكرسيّ الذي كنت أجلس عليه.

"بقيت مستلقيًا على الأرض. ثم داس أحد الجنود بطني بقوة. وسمعت الجنديّ يطلب من جنديّ آخر أن يصوّرني وهو يفعل ذلك وبعدها سمعت أصوات كاميرا. ثم وضع الجنديّ حذاءه على رأسي. بعدها واصل الجنود رفسي ولكمي وضربي ببنادقهم. الجنود الذين ضربوني بالكاد تحدثوا معي وأعتقد أنهم استبدلوا الأدوار وهم يضربونني.

"في إحدى المرات التي ضربني بها الجندي الذي يتحدث العربية، طلبت منه أن يسمح لي بشرب الماء. رفع الجنديّ رأسي وبصق في وجهي وقال: "خذ يا ابن الشرموطة". وبصق عليّ أيضًا جنود آخرون. وفي لحظة معينة شعرتُ بأنّ سائلا ما يسيل على ملابسي. وبحسب رائحته فهمت أنّ أحد الجنود بال عليّ كما يبدو".

تواصل تنكيل الجنود بمحمد فترة طويلة، فيما كان أبوه المحتجز في غرفة ملاصقة يسمع صيحاته طيلة الوقت. وفي مرحلة معيّنة، وبحسب أقوال محمد، فقد الوعي. وقد وصف في إفاداته ما حدث بعد ذلك:

"صحوتُ جرّاء الماء الذي سكبوه على وجهي وصرخت بالعربية بأنني أريد شرب الماء. الجندي الذي تحدث العربية قال لي: "افتح فمك كي أعطيك الماء. فتحت فمي ووضع الجندي فيه شيئًا ما. أعتقد أنه وضع التراب. بصقته.

"بعدها قال لي الجنديّ الذي يتحدّث العربية: "سأنكحك!" كنت مستلقيًا على الأرض وقام الجندي بتنزيل بنطالي وقال لي إنه سيُدخل فيّ عصا. وحاول أن يفعل ذلك لكنني قاومته. بعد عدة محاولات بدأ بضربي بالعصا. أعتقد أنه كان يحمل عصا مكنسة وقد كُسرت جراء ضربة من الضربات التي انهالت عليّ. صليت لله وطلبت الموت إذا لم تتوقف هذه الأمور. شعرتُ بأنّ جسمي ارتخى وبأنني بدأت بفقدان الوعي".

قرابة الساعة 19:00 مساءً، وبعد ساعات طويلة من اعتقاله، أخرج الجنود محمد من الغرفة وأركبوه سيارة ركبها والده أيضًا. أخذ الجنود الاثنين إلى محطة الشرطة في كريات أربع، وبعد ساعتيْن أخرييْن من الانتظار، حقّق شرطيّ معهما، كلٌ على حدة. وفي أثناء الانتظار توجّه محمد إلى أحد الجنود وطلب رؤية طبيب، إلا أنّ الجندي رفض طلبه. وبحسب أقوال الاثنين، قيل لهما في التحقيق إنهما مشتبهان بالاعتداء على جنود وتشويش عملهم. وقد أدلى الاثنان أمام المحقق بروايتيهما عمّا حدث، وهو كتب وسجّل الإفادتين.

مع انتهاء التحقيق بعد منتصف الليل، أُطلق سراح إسحاق ومحمد محارمة بكفالة ذاتية.

وقال محمد في إفادته عن إطلاق سراحيْهما:

"قرابة السّاعة 00:30 أخذني أحد الشرطيين أنا وأبي إلى بوابة محطة الشرطة وأمرنا بالانصراف. احتجّ أبي وقال له إننا حافيان ولا يمكننا العودة إلى البيت بهذه الوضعية. وطلب من الشرطيّ أن يسمح له باستخدام هاتفه كي يطلب من شخص ما أن يأتي ويُقلّنا، إلا أنّ الشرطيّ رفض وقال: "يلا، إذهب من هنا!" بعدها أغلق البوابة."

عاد الاثنان إلى البيت سيرًا على الأقدام، حيث يبعد البيت عن محطة الشرطة أكثر من كيلومتر واحد. ومع وصولهما البيت توجّها إلى المستشفى الحكوميّ في الخليل، وخضع محمد هناك لفحوصات مختلفة وتقرّر أنه يعاني كسرًا في أحد أصابع يده اليمنى ورضوضًا داخلية في أجزاء مختلفة من جسمه.

في أثناء ما حدث، توجّهت العائلة إلى موسى أبو هشهش، الباحث في منظمة "بتسيلم"، في محاولة لتعقب أثر محمد وإسحق. وقد توجّهت "بتسيلم" مرات عديدة إلى شرطة كريات أربع وإلى المركز الإنساني التابع للإدارة المدنية، وكان الردّ أنهم لا يعرفون مكان احتجاز الشّخصيْن. ولم تتلقّ "بتسيلم" معلومات من شرطة كريات أربع بأنّ الاثنيْن موجودان لديها وينتظران التحقيق معهما، إلا بعد الساعة 21:00 ليلاً.

توجّهت منظمة "بتسيلم" إلى وحدة التحقيق في الشرطة العسكرية بطلب فتح تحقيق فوريّ لفحص ملابسات الحادث.