21.8.06: الضرب والتنكيل في ظل الحرب
يتبيَّن من التحقيق الذي أَجرته منظمة بتسيلم أنه منذ بدء حملة "أمطار الصيف" في قطاع غزة في 28.6.2006، وبقوة أكبر منذ اندلاع حرب لبنان الثانية في 12.7.2006، طرأ ارتفاع ملحوظ على وتيرة الأحداث التي قام من خلالها جنود وعناصر من حرس الحدود في الضفة الغربية بضرب السكان الفلسطينيين، إذلالهم والتنكيل بهم بشتى الطرق.
إن أعمال العنف والتنكيل التي تم وصفها في معظم الإفادات والتقارير التي وصلت إلى بتسيلم من تلك الفترة لم تكن مصحوبة بإصابات جسدية شديدة، وهي تشمل الصفعات والركلات المتفرقة، الشتائم والتهديدات، التأخير المتواصل كنوع من العقاب وما شابه. على الرغم من ذلك، فقد أُبلغت بتسيلم عن ست حوادث والتي شملها هذا التحقيق، وكانت خطيرة على وجه التحديد. في هذه الحوادث تعرض السكان الفلسطينيون للضرب والإهانة بصورة سيئة واحتاجوا للعلاج الطبي. فيما يلي وصف موجز لكل حادثة من هذه الحوادث.
إن الميدان الذي وقعت فيه هذه الحوادث كان في معظم الحالات أحد الحواجز المأهولة بشكل ثابت أو بصورة متقطعة، أو أحد الحواجز الفجائية التي ينصبها الجيش الإسرائيلي كل يوم في شوارع الضفة. بعض هذه الحوادث وقعت بعد أن قبض الجنود على مواطن فلسطيني حاول تجاوز الحاجز أو سافر في شارع حظر الجيش على المواطنين السفر فيه؛ البعض الآخر من تلك الأحداث وقع في منطقة الحاجز نفسه أثناء انتظار المرور فيه، أو أثناء التوقيف المتواصل في الحاجز من أجل "فحص المستندات". يتبين من المعلومات التي تم جمعها في التحقيق أن الحواجز المنتصبة حول محافظات نابلس وطولكرم، هي حواجز تشهد التجاوزات بشكل خاص. مع ذلك، وصلت خلال الفترة تقارير حول عنف من جانب قوات الأمن في حواجز أخرى أيضا.
يتبين من فحص المعلومات التي تمّ جمعها في إطار التحقيق أن السبب المباشر لتعاظم ظاهرة العنف هو التصعيد الذي طرأ خلال الأسابيع الأخيرة على تقييد حرية الحركة الذي تفرضه إسرائيل خاصة في شمال الضفة الغربية، الأمر الذي زاد من الاحتكاك بين الجنود وبين السكان الفلسطينيين.
مع ذلك، هناك مؤشرات تشير الى أن الأحداث في لبنان وفي غزة ساهمت هي أيضاً في تعاظم الظاهرة بشكلين أساسيين. أولاً، يتبين من التقارير التي وصلت إلى بتسيلم أن الأخبار عن المسّ الواسع بالمواطنين وبالجنود الإسرائيليين من قبل حزب الله، زاد من مشاعر الغضب والإحباط في أوساط قوات الأمن والذي تم التعبير عنه بزيادة العداء تجاه السكان الفلسطينيين بشكل عام، وبضمن ذلك الملاحظات والشتائم التي وجّهت لهم بصورة خاصة. ثانياً، يمكن افتراض أن حقيقة استقطاب الأحداث في لبنان لاهتمام الرأي العام بشكل جارف وبدرجة أقل لما يجري في غزة، ساهمت بتعزيز الشعور في أوساط أفراد قوات الأمن العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أنهم لن يحاسبوا في حالة تنكيلهم بالفلسطينيين.
إن القانون الإسرائيلي وكذلك القانون الدولي يحظران على المسئولين عن فرض القانون تفعيل قوة مفرطة أكثر مما تتطلبه تنفيذ مهامهم. في جميع تلك الحالات التي تم التبليغ عنها لبتسيلم في هذه الفترة، استخدم الجنود وشرطة حرس الحدود قوة تعسفية تتجاوز بشكل كبير المطلوب من أجل فرض تقييدات مختلفة على حرية الحركة. إضافة إلى ذلك، فإن الأعمال التي سيتم وصفها في الحالات الست التالية تشكل نوعاً من التعامل القاسي، غير الإنساني والمهين والمحظور والذي يحظره القانون الدولي بشكل مطلق بغض النظر عن الظروف. من واجب إسرائيل التحقيق في الشكاوى عن هذه الأعمال وفي حالة أن ثبتت صحتها أن تقدّم المسئولين عنها للمحاكمة ومعاقبة المدانين.
توجهت بتسيلم للنيابة العسكرية الرئيسية ولقسم التحقيق مع رجال الشرطة في وزارة العدل بطلب الشروع بالتحقيق الفوري في الأحداث المبلّغ عنها أدناه. إضافة إلى ذلك، طلبت بتسيلم من قائد أركان الجيش ومن وزير الدفاع بنقل رسالة صارمة وواضحة للجنود والضباط، يُحظر عليهم بموجبها الضرب أو التنكيل بالمواطنين الفلسطينيين ومعاقبة من يتجاوز هذا الحظر بشكل خطير.
ست حالات
1. جنود يضربون مطر خمايسة، تاجر خضار من جنين وينكّلون به بالقرب من حاجزعنبتا، 1.8.2006.
كان مطر خمايسة في طريق عودته من سوق الخضار في قرية بيتا (جنوبي نابلس) إلى جنين. وقد كان مطر خمايسة يعرف أن الجيش يحظر على سكان جنين السفر عبر حاجز عنبتا (شرقي طولكرم)، لذلك فقد التف على الحاجز، ليلتقي بجيب عسكري فيه أربعة جنود. قام الجنود بإنزال مطر خمايسة من الشاحنة واقتادوه إلى حقل قريب مزروع بالزيتون، وهناك أطلق أحد الجنود دونما سبب مجموعة من الطلقات النارية من فوق رأسه، من ثم انهال الجنود الأربعة على خمايسة ضرباً باللكمات وبأعقاب البنادق في جميع أنحاء جسده كما قاموا بركله. وفي إفادته قال مطر خمايسة: "لقد آلمتني الضربات كثيراً... اعتقدت أكثر من مرة، أنهم سيقتلونني". "في مرحلة معينة أطلق أحد الجنود طلقة واحدة باتجاه بطن مطر خمايسة وأخرى في كف يده. يبدو أن إطلاق النار كان لرصاصات دونما ذخيرة حية. نتيجة لذلك، أصيب مطر خمايسة بحرق شديد في بطنه وأصيب بصدمة. بعد ذلك، جرّ الجنود مطر خمايسة وأعادوه الى الشاحنة، من خلال الاستمرار في ضربه. أجلس الجنود مطر خمايسة في كابينة السائق في الشاحنة، وقد عاد بقواه الذاتية الى جنين حيث تلقى العلاج الطبي في المستشفى.
2. جنود يكسرون كف اليد لنعيم اشتييه، من سكان محافظة نابلس، 34 عاما، حينما كان في طريقه للعمل، بالقرب من حاجز عصيرة الشمالية، يوم 10.7.2006
اعترضت دورية نابعة للجيش الإسرائيلي نعيم اشتييه في طوباس، أثناء محاولته تجاوز حاجز عصيرة الشمالية، شمالي مدينة نابلس. يحظر الجيش على سكان مدينة نابلس المرور من هذا الحاجز الى الشمال، وأما في الحاجزين الآخرين اللذان يوصلان الى الشمال، فيمنع الجيش مرور الرجال دون سن 35. انقض جيب عسكري وفيه أربعة جنود من خلف نعيم أشتييه أثناء سلوكه طريقاً ترابية. لم يكد نعيم اشتييه ينطق بكلمة أو يفعل شيئاً، إذ نزل الجنود من الجيب بسرعة وضربوا نعيم اشتييه على يده اليمنى بعصا خشبية طويلة. في أعقاب الضربة، شعر نعيم اشتييه بآلام حادة في يده التي تورمت. أخذ الجنود هوية نعيم اشتية وأمروه بالوصول الى الحاجز ليأخذها. حينما وصل نعيم اشتية الى الحاجز واقترب من أحد الجنود ليأخذ الهوية، أمره الجندي بالوقوف داخل دائرة من الأسلاك الشائكة. بقي نعيم اشتييه واقفاً على هذا الوضع لمدة ساعة ونصف. بعد ذلك، أطلق الجندي سراحه من الأسلاك وأمره بالجلوس بالقرب من الحاجز. بعد مرور 40 دقيقة فقط، أعاد الجندي الهوية لنعيم اشتية، وبعد أن صفعه، سمح له بمغادرة الحاجز. وقد تبين من التصوير الإشعاعي الذي أجريَ لاحقاً في المستشفى أن كف يده مكسورة.
3. جنود يضربون معاوية موسى، سائق سيارة أجرة، 36 عاماً، بالقرب من حاجز عنبتا، يوم 23.7.2006
قام معاوية موسى بنقل ركاب من طولكرم الى رام الله محاولاً تجاوز الحاجز وذلك بسبب الحظر المفروض على الرجال دون سن 35 من المرور بالحاجز. أوقف الجنود الذين وصلوا بجيب سيارة الأجرة. قام أحد الجنود بسحب معاوية موسى من السيارة بالقوة واقتاده الى الجهة الأخرى من الجيب. خلف الجيب، رفع الجندي بندقيته وضرب موسى بقوة في بطنه دونما سبب ظاهر للعين. اقترب جنديان آخران من معاوية موسى وبدءا برفسه. بعد ذلك، قرَّب أحد الجنود بندقيته من جبين معاوية موسى، وقام بسحب مشط البندقية مهددا معاوية موسى بالقتل، غير أن جندياً آخر منعه من ذلك. أمر الجنود المسافرين بوضع معاوية موسى في السيارة، ومن ثم أمر الجنود احد المسافرين بقيادة السيارة والعودة بها إلى طولكرم.
4. عناصر حرس الحدود يضربون جودت غيث، 52 عاماً، حتى فقد وعيه، على مرآى من زوجته وأطفاله، حاجز بيت عوا، 26.6.2006.
بتاريخ 26.6.2006، سافر جودت غيث في سيارته الخاصة مع زوجته وستة من أولاده (أبناء 9 شهور حتى 14 سنة) في زيارة عائلية في قرية بيت عوا. جودت غيث الذي لم يعرف الطريق جيداً دخل بطريق الخطأ شارعاً يحظر فيه الجيش الإسرائيلي سفر الفلسطينيين ويسمح بسفر المستوطنين فقط. حين وصل الى الحاجز في مدخل قرية بيت عوا أمره جنود حرس الحدود الذين يتواجدون في المكان بالوقوف. سحب الجنود جودت غيث من سيارته بقوة وبدؤوا بضربه باللكمات وبأعقاب البنادق وبركله. وقد جرى هذا على مرآى من زوجته وأطفاله الذين بقوا في السيارة.
بعد ضربه لمدة عشر دقائق تقريبا، انهار غيث وفقد وعيه. استفاق بعد بضع ساعات في المستشفى في الخليل وهناك تبين له أن زوجته قد أغشيَ عليها بعد فقدانه لوعيه وأنها عولجت في المكان. ما زال جودتغيث حتى اليوم يعاني من الآلام ومن صعوبة في التنفس. أما أطفاله الذين اضطروا لمشاهدة الحادث فيعانون من إصابة نفسية.
5. جندي يضرب إبراهيم عطا الله، سائق سيارة أجرة، 32 عاماً، من قضاء بيت لحم، مفرق عتسيون، يوم 21.7.2006,
كان إبراهيم عطا الله في طريقه لينقل ركاباً حين شاهد أخويه وابن شقيقته وهم في حالة توقيف في مفرق عتسيون، حيث يتم هناك نصب حاجز معزز من آن الى آخر. أوقف ابراهيم عطا الله سيارته ونزل منها ليستفسر عن سبب التوقيف. أحد الجنود الذي كان واقفاً في برج المراقبة وكان مسئولاً عن توقيف أبناء عائلة عطا الله، نزل من البرج وهو يسب ويلعن وقام بضرب ابراهيم عطا الله بواسطة فوهة بندقيته في ذقنه وفي فمه. وقد قام شرطيان كانا يتواجدان في المكان بإبعاد الجندي عن ابراهيم عطا الله ومنعاه من الاقتراب وضربه ثانية. ضابط الإدارة المدنية الذي وصل إلى المكان قام بإرسال ابراهيم عطا الله إلى عيادة مستوطنة افرات القريبة، حيث تم تقطيب الجرح الذي أصاب ذقنه.
6. جنود في حاجز حوّارة يعتدون على عبد الله خميس، 31 عاماً، أثناء انتظاره في الدور مع زوجته وأولاده. يوم 12.8.2006
عاد عبد الله خميس برفقة زوجته وصغيريه من زيارة تعزية لدى أقرباء لهم. حين وصلوا الى حاجز حوّارة، اختاروا الوقوف في المسلك المعدّ للرجال فوق سن 40، للنساء والأطفال، بعد أن سمح لهم الجنود في السابق بالمرور في هذا المسلك. تزاحم في موقع الحاجز 700 من السكان الذين انتظروا المرور. بعد انتظار دام حوالي ثلاث ساعات، حان دورهم للمرور غير أن الجندي الذي فحص الهويات أمر عبد الله خميس بالعودة إلى آخر الصف. رفض عبد الله خميس ذلك، فبدأ الجندي بدفع زوجة عبد الله خميس. أمسك عبد الله خميس بيد الجندي. حاول الجنود تكبيل يدي عبد الله خميس وأمروه بالتوجه لمكان تواجد الموقوفين. عندما رفض ذلك، انهالوا عليه وبدؤوا بضربه. أحد الجنود ضرب رأس خميس بالحائط وجندي آخر ضرب مؤخرة رأس خميس ورقبته بفوّهة بندقيته. وقد انضم جنود آخرون وقاموا هم أيضا بضرب عبد الله خميس. ضٌربَ خميس لمدة خمس دقائق، ثم اقتيدَ والجنود يضربونه وسجن في غرفة صغيرة. في نهاية المطاف أُخذَ عبد الله خميس الى شرطة أريئيل، حيث تم التحقيق معه وأُفرج عنه بكفالة.
التضييق وظاهرة العنف
إن ظاهرة العنف التعسفية التي ينتهجها أفراد قوات الأمن تجاه الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، ذات صلة وثيقة بسياسة تقييد حرية الحركة. إن التجربة المتراكمة في منظمة بتسيلم تشير إلى أن التشديد في فرض التقييد على حرية الحركة التي تفرضها إسرائيل مصحوب بالضرورة بزيادة الاحتكاك بين أفراد قوات الأمن وبين المواطنين الفلسطينيين وارتفاع عدد المحاولات من جانب الفلسطينيين لتجاوز الحواجز وتخطي المحظورات من أجل الاستمرار بمزاولة حياتهم. إن وتيرة ظهور السلوكيات العنيفة على أنواعها في ظروف من هذا القبيل هي بطبيعة الحال أعلى من وتيرة تصرفات مشابهة في أوقات "التسهيلات" في كل ما يتعلق بحرية الحركة.
منذ بداية حملة "أمطار الصيف" لم يطرأ تغيير على عدد الحواجز المأهولة بشكل ثابت أو بين الفينة والأخرى على امتداد الخط الأخضر: منذ وقت طويل تقوم إسرائيل بتفعيل حوالي 40 حاجزا مأهولا بصورة ثابتة في أعماق الضفة الغربية وحوالي 15 حاجزاً مقامة بشكل متقطع، هذا إضافة إلى الحواجز المقامة على الخط الأخضر او التي تشكل نقطة الرقابة الأخيرة بين الضفة الغربية وبين منطقة السيادة الإسرائيلية. كما أن أعداد المعيقات الفعلية (المتاريس الترابية، مكعبات الباطون، البوابات الحديدية والقنوات) التي تسد الوصول الى الشوارع الرئيسية لم يتغير بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة: لغاية اليوم يوجد حوالي 450 متراساً.
بالرغم من ذلك، فإن القيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين في جزء من الحواجز المقامة تم تشديدها بشكل ملحوظ. مثلا، منذ اندلاع حرب لبنان، حظرَ على الرجال بين الأعمار 16 الى 35 والذين يعيشون في ألوية نابلس، طولكرم وجنين المرور عبر الحواجز التي تطوّق تلك الألوية، إلا إذا كانوا مزوّدين بتصريح خاص من الإدارة المدنية (التقييدات على الرجال حسب سنهم كانت سارية من قبل أيضاً في الحواجز حول نابلس غير أنها ازدادت مع اندلاع الحرب). إضافة الى ذلك، حسب التقارير التي وصلت إلى بتسيلم، فإن الانتقال عبر هذه الحواجز (لمن ليسوا من ضمن هذه المجموعة المحظورة) وعبر عدد من الحواجز الأخرى، يتضمن الانتظار الطويل والمنهك للأعصاب والذي قد يستمر ساعات طويلة.
بالإضافة الى ذلك، منذ بداية حملة "أمطار الصيف" حدث ارتفاع طفيف في عدد الحواجز الفجائية التي يقيمها الجيش الإسرائيلي يومياً في شوارع الضفة. يتم نصب جزء من هذه الحواجز بطرق ثانوية يستخدمها السكان الفلسطينيون من أجل تجاوز الحواجز المأهولة. وقد أبلّغ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) أنه خلال الأسبوع من 7 الى 13 من تموز (أي قبل بداية الحملة) لوحظ وجود 106 حاجزاً فجائياً في أرجاء الضفة. بينما في الأسبوع من 2 الى 8 آب كان هناك 216 حاجزاً كهذا، أي ارتفاع بنسبة تزيد عن 100%.
وأخيراً، خلال السنوات الأخيرة عرّفت إسرائيل مقاطع مختلفة من الشوارع في أرجاء الضفة على أنه ممنوع سفر السيارات الفلسطينية فيها منعا تاما. في جزء من هذه الحالات، فرضَ حظر على قطع الشارع وليس فقط على السفر فيه. يخصص الجيش الإسرائيلي هذه الشوارع للاستخدام حصريا من قبل سكان إسرائيل وخصوصاً المستوطنين. حتى اليوم يوجد 16 مقطعاُ كهذا تمتد على حوالي 100 كيلومتر. صحيح أنه في خلال الفترة المستطلعة لم يطرأ أي تغيير بخصوص هذا التقييد، ومع ذلك، بما أن هذا التقييد هو تقييد جارف، فإن هذه الشوارع هي بمثابة حلبة احتكاك دائم بين قوات الأمن وبين السكان الفلسطينيين.
معالجة ظاهرة العنف
في حين تبرر إسرائيل الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان المنفذة بحق الفلسطينيين مدعية أنها نفّذت بسبب "دواعي أمنية" مختلفة، فإن حالات الضرب، الاهانة والتنكيل تقابل باستنكار تام من قبل السلطات. مع ذلك، فإن نبذ هذه الظاهرة من العنف لا تتجسد من خلال التطبيق اللائق للقانون. كثير من حالات العنف والتنكيل لا يتم تقصيها أصلا، أو أن التحقيق فيها لا يتمخض عن لوائح اتهام. هذا الوضع يساهم في خلق شعور بالحصانة من المحاسبة في أوساط أفراد قوات الأمن بكل ما يتعلق بالتصرف العنيف تجاه الفلسطينيين. قد يكون انصباب اهتمام الرأي العام على الأحداث في لبنان وغزة ساهم في تصعيد هذه الأجواء.
حالات العنف والتنكيل كثيرة، وبالتأكيد فإن تلك الحالات التي لا تنتهي بإصابة خطيرة، لا تصل الى علم الجهاز. خاصة أن الضحايا أنفسهم يتجنبون تقديم الشكاوى بسبب عدم الثقة بالجهاز الذي لا يتعامل بجدية مع شكاويهم ولا يحاسب المنكّلين بهم. يتجنب ضحايا آخرون تقديم الشكاوى بسبب الوقت الطويل الذي عليهم تكريسه لهذا الموضوع والمعاملة المشينة التي يحظون بها في مراكز الشرطة ومكاتب التنسيق في أرجاء الضفة الغربية. مهما كانت الجهود التي تبذلها منظمات حقوق الإنسان، ومن ضمنها بتسيلم، في تقصي الحالات ونقلها للسلطات، جهوداً ومساع كبيرة، فهي لا يمكنها التعويض عن فشل الجهاز الذي يردع الضحايا عن تقديم الشكاوى.
يتجسد التعبير عن هذا الخلل من خلال العدد القليل نسبياً من التحقيقات مع رجال الشرطة (الشرطة العسكري المحققة) في حالات العنف والتنكيل التي فتحت في السنوات الأخيرة. حسب المعطيات التي سلّمت لبتسيلم من قبل الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، فإنه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 وحتى تموز 2005، افتتح ما مجمله 261 تحقيقاً كهذا (لم تتم الاستجابة لطلب الحصول على معلومات محدثة). الشكاوى التي تقدم ضد عناصر حرس الحدود تعالج بصورة منفصلة في قسم التحقيق مع الشرطة في وزارة العدل، ولا تملك بتسيلم أي معطيات حولها.
علاوة على هذا، فإن أساس المشكلة التي تؤثر أيضا على مستوى الثقة لدى السكان الفلسطينيين مصدرها في قدرة جهاز فرض القانون على محاسبة الجنود المنكّلين ومقاضاتهم ورغبته القيام بذلك. حيث أنه من بين الـ 261 تحقيقاً التي تم فتحها ضد الجنود في السنوات 2005-2006، تم تقديم 28 لائحة اتهام فقط. بما أنه في بعض الحالات كان هناك تورط لأكثر من جندي واحد فيمكن القول أن نسبة التحقيقات التي أدت للمحاكمة هي أقل من 10%. كثيرا ما تغلق الملفات بادعاءات مثل "عدم وجود أدلة"، "لم يتم العثور على المشتبه بهم"، "رفضت الضحية تقديم الشكوى"، "تفعيل القوة كان معقولاً" وغيرها من الادعاءات. بالرغم من أن بتسيلم لا تملك أي معطيات موازية عن التحقيقات مع أفراد حرس الحدود غير أن المعطيات من الشكاوى التي قدمتها بتسيلم لقسم التحقيق مع رجال الشرطة تشير الى نسبة قليلة جدا من التقديم للعدالة. من بين 62 شكوى ضد أفراد حرس الحدود التي قدمتها بتسيلم لقسم التحقيق مع رجال الشرطة منذ اندلاع الانتفاضة، 42 منها (68%) تقرر إغلاقها لأسباب مختلفة.
يمكن الافتراض أن ظروفا موضوعية مختلفة تلزم إغلاق ملفات معينة دون تقديم لوائح اتهام مهما كان نوع معالجة الملف. مع ذلك، فإن التجربة المتراكمة في بتسيلم في هذا الموضوع تشير الى أن جزءا كبيرا من الشكاوى أغلقَ بسبب أشكال مختلفة من الخلل في مراحل معالجة القضية. مثلا، في معظم الحالات تمضي شهور عديدة من لحظة تقديم الشكوى الى حين تحويلها للتحقيق في قسم التحقيق مع رجال الشرطة. نتيجة الوقت الطويل الذي يمضي من لحظة وقوع الحادث الى لحظة البدء بالتحقيق، فإن الشهود الأساسيين الذين تم العثور عليهم وكانوا مستعدون للتعاون بطبيعة الحال، يجدون صعوبة في تذكر تفاصيل هامة قد تساعد في بلورة لائحة اتهام.
إضافة الى ذلك، وبغض النظر عن الوقت الذي مضى الى حين الشروع بالتحقيق، هناك أعطاب كثيرة ناجمة عن طريقة عمل قسم التحقيق مع رجال الشرطة. مثلا، بالرغم من الأهمية الكبرى لشهادات الضحايا والشهود الفلسطينيين من أجل نجاح التحقيق، يكاد لا يوجد في قسم التحقيق مع رجال الشرطة ناطقون باللغة العربية الذين يمكنهم أخذ الإفادات، ويبقى المحققون رهائن حسن النوايا للمترجمين المختلفين. في أحيان قريبة يصل الى مسامع بتسيلم أن التحقيق في قضية معينة ينتقل من محقق الى آخر بحيث يضطر كل واحد الى دراسة الملف من جديد. ويعود أحد الأسباب في ذلك في وضع التحقيقات تحت مسؤولية رجال الاحتياط الذين بطبيعة الحال يخدمون لفترة قصيرة فقط ولا ينهون التحقيق.
من هنا يتبين أن الجهاز لا يعطي الاهتمام المناسب للتحقيق في حوادث العنف الممارَس ضد الفلسطينيين من قبل أفراد قوات الأمن ولا يقوم بمقاضاة المسئولين، وبالتالي فانه يبثّ لعناصره العاملين في الميدان رسالة متساهلة مفادها أن أعمالهم ليست بالخطيرة.