تجمّعات مهدّدة بالتهجير: منطقة خان الأحمر

تم النشر في: 
10.10.17
تم التعديل في: 
10.10.17

التجمع السكاني مدرسة خان الأحمر: تصوير: ريما عيسى. بتسيلم. 4.2.17.
التجمع السكاني مدرسة خان الأحمر: تصوير: ريما عيسى. بتسيلم. 4.2.17.

12 هنالك اثنا عشر تجمّعًا فلسطينيًّا يعيش سكّانها مهدّدين بالترحيل، تقطن في منطقة خان الأحمر، إلى الشرق من مدينة القدس، ويبلغ عددهم نحو 1400 نسمة. تنتشر هذه التجمّعات على جانبي شارع القدس - أريحا، إلى الشرق من سهل أدوميم، وكذلك على جانبي شارع 437، الذي يربط بين الشارع الرئيسي وقرية حزمة. يعاني سكّان هذه التجمّعات جرّاء نقص شديد في مصادر المعيشة وخدمات الصحّة والتربية والرفاه ومرافق الكهرباء والمجاري والشوارع. أحد هذه التجمّعات يسمى الخان الأحمر، وينتمي أبناؤه إلى قبيلة الجهالين، وتعود أصولهم إلى منطقة تل عراد في النقب، التي هجّرهم منها الجيش الإسرائيلي في خمسينيّات القرن الماضي. في البداية ضمن أبناء التجمّع أراضيَ للسكن والرعي تقع عليها اليوم مستوطنة كفار أدوميم، حيث جرى تهجيرهم من هناك فانتقلوا إلى مكان سكناهم الحالي.

يقع التجمّع على بُعد نحو كيلومترَين إلى جنوب مستوطنة كفار أدوميم، وتقطنه 21 أسرة، يبلغ تعداد أفرادها 146، بينهم 85 أولاد وفتية. يوجد في التجمّع أيضًا مسجد، ومدرسة أقيمت سنة 2009، ويدرس فيها أكثر من 150 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 6 و-15 سنة، نصفهم من تجمّعات مجاورة. قبل إقامة المدرسة كان طلاّب المرحلة الابتدائية من أبناء التجمّع يضطرّون إلى ارتياد مؤسّسات تربوية بعيدة، وكان السفر إليها محفوفًا بمخاطر تهدّد سلامتهم. أقامت المدرسة جمعيّة إيطالية تدعى Terra di Vento، بطريقة بناء يُستخدم فيها طين الوحل وعجلات السيارات. تمويل بناء المدرسة ومشاريع أخرى في التجمّع جاء من إيطاليا وبلجيكا والاتحاد الأوروبي.

مثلهم كمثل سكّان التجمّعات الأخرى في المنطقة، يعيش سكّان تجمّع خان الأحمر في ظروف قاسية. ترفض إسرائيل ربط التجمّعات بشبكة الكهرباء. في نيسان 2015 صادرت الإدارة المدنية 12 لوحًا لإنتاج الطاقة الشمسية وصلتها كتبرّع. إضافة، ورغم أنّ الشارع الرئيسي يمرّ بالضبط في محاذاة التجمّع، ترفض الإدارة المدنية إتاحة الوصول مباشرة من التجمّع إلى الشارع، وتمنع توقّف السيارات الخاصة أو المواصلات العمومية على جانب الشارع قرب القرية. ولم تشقّ الإدارة المدنية شارعًا بديلاً يصل إلى القرية ولا خلجان توقّف على جانب الشارع الرئيسي، ولذلك يضطرّ السكّان إلى سلوك طرق التفافيّة وعريّة.

يعاني التجمّع بلا توقّف جرّاء تنكيل السلطات الإسرائيلية، التي تسعى إلى تهجير سكّانه، لأهداف منها السيطرة على الأرض لتتوسّع عليها مستقبلاً المستوطنات القائمة في المنطقة. مؤخرًا، وبعد مداولات دامت لسنوات، أصبح خطر التهجير داهمًا وملموسًا أكثر: في نهاية شهر آب 2017 أعلن وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، أنّ الحكومة ساعية في إخلاء القرية خلال أشهر عدّة؟

طيلة سنوات تمنع السلطات إقامة مبانٍ تلبّي احتياجات السكّان. عوضًا عن ذلك، تصادر السلطات معدّات ومرافق مختلفة وتهدم المباني القائمة بحجّة أنّها غير مرخّصة و"مخالفة للقانون" وفي تجاهل لحقيقة بسيطة مفادها أنّه لا توجد إمكانية حصول على ترخيص بناء. هكذا، منذ 2006 وحتى نهاية منتصف أيلول 2017 هدمت السلطات 26 مبنىً سكنيًّا. بقيّ 132 شخصًا دون مآوى بينهم 77 أولاد وفتية. إضافة، هُدمت 6 مبانٍ غير سكنية.

إذا جرى تهجير تجمّع الخان الأحمر فعليًّا من مكان سكنه - أو اضطرّوا للرحيل عنه خلافًا لإرادتهم عقب الظروف المعيشية القاسية حدّ الاستحالة التي أنتجتها السلطات - فهذا خرق لحظر النقل القسريّ المنصوص عليه في القانون الإنسانيّ الدولي. مثل هذا الخرق يعدّ جريمة حرب وجميع المتورّطين في ارتكابها يتحمّلون مسؤوليتها شخصيًّا، بمن فيهم رئيس الحكومة وكبار الوزراء وقائد أركان الجيش ورئيس الإدارة المدنية.

الإجراءات القانونية

كجزء من مساعي الدولة لتهجير سكّان التجمّع أصدرت على مرّ السنين أوامر هدم كثيرة بحقّ مبانٍ قائمة هناك. كافح التجمّع ضدّ هذه الأوامر بواسطة الالتماس أمام المحاكم. في المقابل، قدّم المستوطنون في المنطقة التماسات ضدّ الدولة يطالبونها بالإسراع في تنفيذ أوامر الهدم المذكورة. وما زال التماسان قيد المداولة القضائية - أحدهما قدّمه سكّان التجمّع والآخر قدّمه المستوطنون.

هكذا، في عام 2009، بعد مضيّ شهر تقريبًا على إقامة المدرسة، أصدرت الإدارة المدنية أمر هدم، بحجّة أنها قريبة من الشارع الرئيسي، وأنّ هذا سيتمّ توسيعه مستقبلاً. محامي التجمّع، شلومو لكر، قدّم باسم سكّان من المنطقة التماسًا إلى المحكمة، يطالب فيه بالتراجع عن هدم المدرسة. بعد ذلك بوقت قصير، في أيلول 2009، قدّم مستوطنون من كفار أدوميم - ألون ونوفي فرات - التماسًا إلى محكمة العدل العليا، انضمّت إليه جمعية "رجفيم"، يطالبون فيه الدولة بتنفيذ أوامر الهدم التي صدرت بحقّ 257 مبنىً للفلسطينيين في محيط المستوطنات، وبضمنها المدرسة وبيوت في تجمّعات مجاورة. في ردّها على التماس سكّان خان الأحمر، وافقت الإدارة المدنية على إرجاء هدم المدرسة إلى حين انتهاء السنة الدراسية 2010، وصرّحت أنّها في إطار مساعيها لنقل السكّان من المنطقة وإعادة توطينهم تخطّط لإقامة مدرسة تخدمهم في المنطقة التي سيُنقلو إليها. إزاء هذه التصريحات، ردّت المحكمة الالتماسين في شهر آذار 2010.

في نهاية الأمر، لم تهدم الإدارة المدنية المدرسة حتى يومنا هذا. في شهر آب 2011 قدّمت المستوطنات التماسًا ثانيًا إلى محكمة العدل العليا طالبت فيه الدولة بتنفيذ أوامر الهدم التي صدرت بحقّ مبنى المدرسة ومبانٍ سكنيّة. في تشرين الثاني من السنة نفسها قدّم سكّان المنطقة الفلسطينيون التماسًا إلى محكمة العدل العليا، بواسطة المحامي لكر، يطالبون فيه مجدّدًا بإرجاء هدم مبنى المدرسة إلى أن يتمّوا إعداد خريطة هيكلية يعتزمون تقديمها إلى سلطات التنظيم والبناء في الإدارة المدنية.

في ردّها على التماس المستوطنات أبلغت المحكمة العليا، في أيلول 2012، أنها تنظر في موقع بديل للتجمّع ومدرسته، وأنّ معاملات نقلهم إليه ستجري بمشاركة سكّان التجمّع، على أمل أن يتمّ ذلك خلال سنة. أضافت الدولة أنّه إلى حين الانتهاء من هذه المعاملات لن تُنفّذ أوامر الهدم، وعلى ضوء تبليغات الدولة ردّت المحكمة الالتماسات.

في تشرين الثاني 2013 قدّم المستوطنون التماسًا ثالثًا إلى محكمة العدل العليا، يحثّون فيه الدولة على تنفيذ أوامر الهدم. في ردّها، قالت الدولة إنها تعتزم نقل السكّان إلى منطقة تقع شماليّ مدينة أريحا، وأنّها تعدّ لأجلهم خريطة هيكلية هناك. سكّان التجمّع أبلغوا المحكمة أنّهم يعترضون على نقلهم. في أيّار 2014 ردّت المحكمة التماس المستوطنين، حيث أنّ "المدّعى عليهم يسعون للتوصّل إلى حلّ شامل متّفق عليه ورغبتهم في تجنّب المسّ بالقاصرين". في نيسان 2016 قدّمت المستوطنات للمرّة الرابعة التماسًا تطالب فيه الدولة بهدم مبنى المدرسة.

في تمّوز 2015 أبطلت المحكمة العليا الالتماس الذي قدّمه السكّان في تشرين الثاني 2011 اعتراضًا على أوامر الهدم التي صدرت بحقّ معظم مباني التجمّع. في القرار الذي تمّ التوصّل إليه باتفاق الطرفين قيل إنّ الدولة لا تعتزم في هذه المرحلة تنفيذ أوامر الهدم، وأنّها في حال قرّرت تنفيذها فسوف تبلغ السكّان بذلك خلال 45 يومًا تسبق موعد التنفيذ.

في شباط 2017 وصلت إلى التجمّع قوّات كبيرة من الإدارة المدنية والشرطة. وزّعت القوّات 46 أمر وقف عمل (وهو إجراء يسبق أمر الهدم) في جميع مباني التجمّع وبضمنها مبنى المدرسة. في أعقاب توزيع تلك الأوامر، قدّم السكّان التماسًا إضافيًّا إلى محكمة العدل العليا. أصدرت المحكمة أوامر احترازية تمنع الدولة من هدم البيوت إلى حين النظر في الالتماس.

جلسة المحكمة للنظر في التماس سكّان خان الأحمر والتماس المستوطنات كانت مقرّرة ليوم 25.9.2017. مع اقتراب موعد الجلسة، جاء مندوبو الإدارة المدنية في 13.9.2017 إلى التجمع وأبلغوا السكّان أنهم سيُنقلون إلى موقع مجاور يدعى "جبل معرب"، المحاذي لمزبلة أبو ديس. إزاء تأخّر الدولة في تقديم ردّها إلى المحكمة، تأجّل النظر في القضية إلى أجل غير مسمّى.

في ردّها الذي قدّمته أخيرًا، أبلغت الدولة أنّها تعتزم ترحيل سكّان التجمّع ونقل المدرسة إلى الموقع المحاذي للمزبلة حتى شهر نيسان 2018. بذلك، تكون الدولة قد طلبت من قضاة المحكمة المصادقة على جريمة حرب تعتزم ارتكابها.