تحقيقات الشرطة العسكرية في حوادث قتل فلسطينيين

تم النشر في: 
1.1.11
تم التعديل في: 
16.4.12

في نهاية عام 2000، وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية، غيّرت النيابة العسكرية من سياستها المتبعة في التحقيقات والتي مارستها حتى ذلك الوقت. وادّعت النيابة العسكرية أنّ الواقع في الاراضي المحتلة تحوّل إلى "نزاع مسلح" ولذلك لم يعد تبرير لفتح تحقيقات لدى الشرطة العسكرية بشكل أوتوماتيكيّ في الحالات التي يقوم فيها جنود بقتل فلسطينيين. وبدلا من ذلك، ستقوم الوحدة (العسكرية) في مثل هذه الحالات بإجراء استقصاء ميدانيّ تُنقل نتائجه إلى النيابة العسكرية. وإذا كان الاستقصاء المرفق بنتائج إضافية يثير الشكّ في أنّ الجنود شذّوا عن قواعد إطلاق النار بشكل خطير، فسيُفتح تحقيق في المسألة. أما بخصوص حوادث أخرى مثل التنكيل والعنف والسرقة والتي تثير الشكّ في مسلكيات جنائية من طرف الجنود، فلم يطرأ أيّ تغيير في السّياسة المتبعة وتقرّر فتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية في هذه الحالات، بمجرد تلقي الشكوى.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2003، التمست جمعية حقوق المواطن في إسرائيل و"بتسيلم" المحكمةَ العليا ضدّ المُدّعي العسكريّ العامّ بطلب الأمر بفتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية في كلّ حالة يَقتل فيها جنود الجيش الإسرائيلي فلسطينيين لم يشاركوا في الاقتتال. وفي إطار هذا الالتماس، أعلنت نيابة الدولة في نيسان 2011 أنها ستضع سياسة جديدة في كلّ ما يخصّ الضفة الغربية، وما يخصّ الحالات التي يقتل فيها جنودٌ فلسطينيين لم يشاركوا في الاقتتال، مفادها قيام الشرطة العسكرية بالتحقيق في الحادثة بشكل أوتوماتيكيّ. وبحسب هذا البيان، فإنّ هذه السياسة لن تسري في قطاع غزة. وفي أعقاب البيان، ردّت المحكمة العليا الالتماس، رغم معارضة الملتمسين.

التغيير الحاصل على هذه السياسة محمود، إلا أنّ السياسة المتبعة ما تزال تثير العديد من المشاكل:

  1. يتضح من البيان أعلاه أنّ التغيير يستند إلى الهدوء الحاصل ميدانيًا وليس إلى تغيير مبدئيّ في المدارك، أو إلى تغيير في تعريف الواقع على أنه "نزاع مُسلح". وفي حال تبدّل الظروف، يمكن أن تقوم النيابة العسكرية بالعودة إلى السياسة التي اتبعتها أثناء الانتفاضة الثانية. وعليه، وبما أنّ التغيير لم يسرِ على قطاع غزة، فهو لا يستطيع أن يضمن قيام إسرائيل بأداء واجباتها.
  2. ما تزال النيابة العسكرية تُعرّف الواقع في الاراضي المحتلة على أنه "نزاع مُسلح" بشكل جارف. ومع أنّ قسمًا من العمليات التي تحدث في الاراضي المحتلة تشكل نشاطات حربية، إلا أنّ قسمًا كبيرًا من النشاطات التي يقوم بها جنود في الاراضي المحتلة –مثل الحواجز وتفريق المظاهرات والاعتقالات- هي نشاطات شُرطية عادية نفّذها جنود في الانتفاضة الأولى أيضًا. وعلى أيّ حال، حتى إذا قبلنا بتعريف النيابة، فإنّ هذا لا يكفي لإعفاء الجيش من واجب التحقيق في إلحاق الأذى بالمواطنين. فمبادئ القانون الدوليّ تمنع المسّ المتعمَّد بالمواطنين حتى في إطار "النزاع المُسلح".. وفي كلّ حالة يُصاب فيها مواطنون في إطار هذا النزاع، يجب التحقيق في الحادثة من أجل التأكّد من أنّ الجنود تصرّفوا وفق هذه المبادئ.
  3. يتضح من بيان النيابة أنّها تنوي مواصلة الاعتماد على نتائج الاستقصاءات الميدانية لغرض البتّ في مسألة فتح تحقيق في الحالات التي قُتل فيها مواطنون أثناء حوادث الاقتتال في الضفة الغربية، وفي كلّ الحالات التي وقعت في قطاع غزة. إلا أنّ الاستقصاء الميدانيّ ليس الأداة الملائمة لفحص الحاجة لفتح تحقيق جنائيّ. فأولا، يشكل الاستقصاء تلخيصًا لأقوال الجنود الضالعين في الحادثة –الذين سيضطرون لتحمّل المسؤولية في حال اتضح أنّ أحدهم تصرف خلافًا للقانون- ولذلك فإنّ مصداقية هذا الاستقصاء مُتدنيّة. ثانيًا، يتمّ هذا الاستقصاء على يد عسكريين من الجيش لم يُأهّلوا لإجراء التحقيقات. وثالثًا، فإنّ الاستقصاء يهدف لاستخلاص العبر لغرض تحسين الأداء الميدانيّ، وليس لغرض فحص حجم المسؤولية الجنائية الواقعة على الجنود الضالعين في الحادثة.
  4. وفقًا لبيان الناطق العسكريّ الإسرائيليّ والنشر في الإعلام، فإنّ الجيش يواصل إجراء الاستقصاءات الميدانية في جميع الحالات التي يَقتل فيها جنودٌ فلسطينيين، وذلك قبل أن ينجح مُحققو الشرطة العسكرية في الحضور إلى مكان الحادثة والتحقيق مع الجنود وشهود إضافيين. وقد يؤدّي هذا الترتيب الزمني للأحداث إلى إحباط التحقيق لأنّ الجنود الضالعين يُدلون بروايتهم المشتركة في إطار الاستقصاء لما حدث، وبهذا يصبح من الممكن ملاءمة الروايات المختلفة. فضلا عن ذلك، يُسمح لمُعدّي الاستقصاء أن يقوموا بخطوات تحقيق إضافية –منها جمع الأدلة في الميدان وفحص الأسلحة وغيرها- وهي أمور يمكن أن تؤدّي إلى التشويش على تحقيق الشرطة العسكرية. أضف إلى ذلك أنّ نتائج الاستقصاء تُنشر في نهايته، ويمكن أن يؤدي هذا إلى التأثير على مُحققي الشرطة العسكرية.

رغم توجّهات "بتسيلم" المتكرّرة إلى سلطات الجيش، فإننا لم نحصل على معطيات ذات مصداقية فيما يخصّ عدد التحقيقات التي فُتحت في حوادث موت وفيما يخصّ نتائجها.

منذ اندلاع الانتفاضة الثانية وحتى نيسان/ أبريل 2011، موعد تغيير السياسة المتبعة، توجّهت منظمة "بتسيلم" إلى النيابة العسكرية بطلب فتح تحقيقات لدى الشرطة العسكرية فيما يخصّ 304 حالات قتل فيها جنودٌ فلسطينيين. ومن بين هذه التوجّهات، أمرت النيابة العسكرية بالتحقيق في 73 حالة فقط. وحتى الآن، ووفق المعلومات المتوفرة لدى "بتسيلم"، فإنّ تسع تحقيقات أدّت إلى تقديم لوائح اتهام، و23 تحقيقًا أُغلقت دون اتخاذ أيّ تدابير ضدّ الجنود. وفي 27 ملفًا إضافيًا انتهى تحقيق الشرطة العسكرية وهم بانتظار حسم النيابة، فيما لا يزال 14 ملفًا قيد التحقيق. أما بخصوص ما تبقى من الحالات، فقد تلقت "بتسيلم" معلومات تفيد بأنّه لم يُفتح تحقيق في 168 حالة، وفي 44 ملفًا لم تبتّ النيابة حتى الآن في مسألة فتح تحقيق. أما فيما يخصّ الملفات الـ 14 الإضافية، فقد أفادت النيابة "بتسيلم" بأنّها لم تعثر عليها، فيما نُقلت خمسة ملفات أخرى إلى سلطات تحقيق أخرى.

إضافة إلى ذلك، ومنذ إعلان النيابة عن تغيير سياستها وحتى نهاية شباط/ فبراير 2012، قتل جنودٌ في الضفة الغربية خمسة فلسطينيين. وفي جميع هذه الحالات فُتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية فور وقوع الحوادث، إلا أنّ هذه التحقيقات كلها لم تنتهِ بعد، وفق المعلومات المتوفرة لدى "بتسيلم".

الأمر الجارف بشأن عدم فتح التحقيقات، والإدارة السّيئة للاستقصاءات الداخلية في الوحدات العسكرية، والطريقة المُستخفّة التي أديرت بها التحقيقات التي فُتحت- هذه كلها أوصلت بلاغًا إلى الضباط والجنود مفاده أنه في حال خروجهم على التعليمات والمسّ بالأبرياء، فإنّ احتمال اتخاذ أيّ تدابير ضدّهم يقترب من الصفر.