كيف أثبتت السلطات الإسرائيليّة أنها غير قادرة على التحقيق بشبهات انتهاك القانون الإنسانيّ الدوليّ أثناء العمليّات الإسرائيليّة في قطاع غزة

تم النشر في: 
5.9.14

اخلاء الجثث من احد البيوت التي قصفت في خانيونس. تصوير: ابراهيم ابو مصطفى، رويتيرز، 21/7/2014.
اخلاء الجثث من احد البيوت التي قصفت في خانيونس. تصوير: ابراهيم ابو مصطفى، رويتيرز، 21/7/2014.

انتهت الحملة العسكرية "الجرف الصامد" التي بدأت في 8/7/2014، قبل أيام معدودة، من خلال وقف لإطلاق النار بدأ سريانه مساء 26/8/2014. وفي عدة حالات انتهكت إسرائيل أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، فيما يُشتبه في الكثير من الحالات الأخرى بانتهاك هذه الأحكام. ورغم ذلك، فإنّ بتسيلم لا تنوي مطالبة أجهزة التحقيق الإسرائيليّة القائمة، بالتحقيق في هذه الشبهات. وينبع هذا من تجربة المنظمة عبر العمليات الحربيّة الدامية التي جرت في القطاع في السابق، وهي تجربة تثبت عدم وجود أيّ جهة رسميّة اليوم في إسرائيل قادرة على إجراء تحقيقات مستقلّة تتعلق بشبهات انتهاك القانون الإنسانيّ الدوليّ.

إن جهاز فرض القانون القائم غير قادر على مواجهة الشبهات المتعلقة بأداء الجيش وتصرّفاته أثناء الاعتداءات العسكريّة على قطاع غزة، وذلك من خلال ثلاثة أبعاد أساسيّة:

  1. التحقيق مع المستوى السياسيّ والمستوى القياديّ الرفيع في الجيش: فالمستوى القياديّ يبلور السياسة العامة ويمرّرها للجيش، وهو ضالع في اتخاذ قرارات ميدانيّة والمصادقة عليها. أمّا القرارات الأخرى فيتخذها المستوى القيادي الموازي للنائب العسكري العام أو مسؤول ذو مكانة أرفع. وفي كلتا الحالتيْن، لا توجد جهة قادرة على التحقيق في مشروعيّة العمليات التي صادق عليها هذان المستويان.
  2. الدور المزدوج الذي يلعبه النائب العسكري العام: من جهة أولى يوفر النائب العسكريّ العام استشارة قانونيّة للجيش قبل الحرب وأثناءها؛ ومن جهة ثانية فإنه المسؤول عن اتخاذ القرار المتعلق بفتح تحقيقات جنائيّة ضدّ الجنود أم لا. وتخلق هذه الازدواجيّة تضاربَ مصالح مَبنَويًّا في الحالات التي صدرت فيها توجيهات وأوامر تثير الاشتباه بانتهاك القانون في أعقاب استشارة وردت من النيابة العسكريّة. وفي مثل هذه الأوضاع يُطلب من النائب العسكريّ العام اتخاذ قرار بأثر جرعيّ بخصوص إجراء تحقيق جنائيّ ضدّ نفسه وضدّ مرؤوسيه، إذ أنه كان المسؤول عن إصدار التصريح القانونيّ باتخاذ التدابير المشتبه بعدم شرعيّتها.
  3. التحقيق بأحداث يُشتبه بأنّ الجنود تصرّفوا خلالها خلافًا لأوامر الجيش: في الغالبية الساحقة من هذه الحالات، تتركّز التحقيقات في أداء ومسؤولية المستوى المتدنّي في الميدان فقط. فيجري في المرحلة الأولى عمومًا تحقيق ميدانيّ، ووفقًا لنتائجه يُتخذ قرار بخصوص فتح تحقيق لدى الشرطة العسكريّة المحقّقة أم لا. وفي الحالات المعدودة التي يُقرّر فيها فتح تحقيق تُحوّل نتائجه إلى النيابة العسكريّة ويُلقى عليها مهمة اتخاذ قرار بخصوص أيّ الخطوات التي يجب اتخاذها ضدّ الضالعين، هذا إذا اتُخذت مثل هذه الخطوات أصلاً. ويؤدّي إجراء تحقيق ميدانيّ قبل تحقيق الشرطة العسكريّة إلى تأخير فتح التحقيق الجنائيّ –أحيانًا لشهور طويلة- ويمسّ بمصداقيّة إفادات الجنود التي تُجبى ضمن التحقيق، إذ أنّ هذه الإفادات سبق وسُجلت في إطار التحقيق. وفي غالبيّة الحالات لا يستطيع محققو الشرطة العسكريّة الوصول إلى موقع الحدث إذ يلاقون صعوبات في جمع الإفادات من الضحايا أو من شهود عيان فلسطينيّين. وتستمرّ هذه الإجراءات على فترة طويلة جدًا من الزمن بحيث تمرّ أحيانًا عدّة سنوات منذ وقوع الحادثة إلى حين اتخاذ النيابة العسكريّة قرارًا باتخاذ التدابير ضدّ الضالعين أم لا.

وقد واجهت بتسيلم هذه المشاكل في الحملتين العسكريتيْن الأخيرتيْن اللتين شنّتهما إسرائيل على قطاع غزة: "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب":

"الرصاص المصبوب"، كانون الأول 2008-كانون الثاني 2009:

"دارت رحى حملة الرصاص المصبوب بين 27/12/2008 و18/1/2009. وكان حجم الخسائر التي لحقت بالسكّان المدنيّين جسيمًا: مقتل 1,391 فلسطينيًّا، 759 شخصًا منهم على الأقل –منهم 318 قاصرًا (تحت سنّ الثامنة عشرة)- لم يشاركوا في الاقتتال. وزاد عدد الجرحى عن 5,300 جريح، من بينهم أكثر من 350 شخصًا أصيبوا إصابات بالغة. وألحقت إسرائيل أيضًا الأضرار الهائلة والباهظة بالبيوت السكنيّة والمباني الصناعيّة والزراعيّة ومنشآت البنى التحتيّة الخاصة بالكهرباء والصرف الصحي والمياه والصحّة. ووفقًا لمعطيات الأمم المتحدة فقد هدمت إسرائيل أكثر من 3,500 منزلاً وشُرّد نحو 20,000 شخصًا وظلوا بلا مأوى.

مع انتهاء الاقتتال توجّهت ثماني منظمات حقوق إنسان إسرائيليّة ومن بينها بتسيلم إلى المستشار القضائيّ للحكومة، مطالبة بإقامة جهاز تحقيق مستقلّ لفحص الشبهات المتعلقة بانتهاك أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ أثناء الحملة. وأشارت المنظمات في الرسالة إلى سلسلة من المسائل التي يجب على جهاز التحقيق فحصها، ومن بينها المسّ الواسع والكبير بالمدنيّين، ومنع إخلاء المصابين والدمار الكبير الذي لحق بالممتلكات. وطالبت المنظمات بعدم اكتفاء جهاز التحقيق بفحص الحوادث العينيّة بل أن يتطرّق أيضًا إلى الأوامر التي تلقاها الجيش وإلى السياسة التي عمل بحسبها.

وُجّهت الرسالة إلى المستشار القضائيّ للحكومة وليس إلى النائب العسكريّ العام، بسبب ضلوع الأخير في إصدار التوجيهات للقوات على أرض الميدان. على سبيل المثال توجّهت بتسيلم أثناء الاقتتال إلى المدعي العسكري العام حينها، العميد أفيحاي مندلبليط، وادّعت أنّ سياسة المسّ المتعمدّ بمباني الحُكم غير قانونيّ، إذ أنّ هذه المباني لا تشكّل هدفًا عسكريًّا شرعيًّا. وفي ردّه قال المدّعي العسكريّ العام إنّ الهجمات التي يقوم بها الجيش قانونيّة وإنّ "الجيش يعمل بمرافقة مستشار قضائيّ مهمته أن يطرح أمام صُناع القرار في الجيش الأبعاد القانونيّة المتعلّقة بنشاطهم، وأن يوفّر لهم الأدوات القانونيّة اللازمة لتطبيق الغاية الميدانيّة التي يتوخّونها".

وسارع المحامي راز نزري من مكتب المستشار القضائي للحكومة إلى رفض مطلب المنظمات، وأوضح –بعد أقلّ من أسبوع على انتهاء الحملة وقبل فتح ولو تحقيق واحد- أنّ نشاطات الجيش كانت قانونيّة على وجه العموم. وادّعى أنّ "الهجمات التي نفذّها الجيش الإسرائيليّ في قطاع غزة وُجّهت ضدّ نشطاء إرهابيّين وأهداف عسكريّة متعلقة بنشاطات إرهابيّة في قطاع غزة، والتي شكّلت الخطر على أمن دولة إسرائيل. ويأتي هذا وفقًا لمبادئ أحكام الحرب في القانون الدوليّ". ومع ذلك، أضاف المحامي نزري، فإنّ قائد الأركان عيّن ضبّاطًا رفيعي الرتبة لغرض تنفيذ تحقيقات ميدانيّة يجري في إطارها أيضًا فحص مسألة المسّ بالمدنيّين. وإذا كانت المنظمات تملك ادعاءات عينيّة حول عميات الجيش أثناء الحملة فهي مدعوّة للتوجّه إلى الجهات ذات الصلة.

توجّهت المنظمات ثانية إلى المستشار القضائيّ مطالبة إياه بالتفكير مجدّدًا في مطلبها بإقامة جهاز تحقيق مستقلّ، وذلك في ضوء خطورة الشبهات والمسّ الواسع جدًا بالسكان المدنيّين. وجرى توجّه مماثل على يد عدة بروفسورات للحقوق من جامعات إسرائيليّة. وبعد نحو نصف سنة وصل ردّ المستشار القضائيّ للحكومة، إذ رفض تلبية هذا المطلب استنادًا إلى مذكرة موقف صدرت عن العقيد ليرون ليبمن، رئيس قسم القانون الدوليّ في النيابة العسكريّة، والتي تفيد بأنّ إسرائيل معفيّة من أيّ واجب قانونيّ لإقامة جهاز تحقيق مستقلّ. وتفيد هذه المذكرة بأنّ إسرائيل غير ملزمة إلا بالتحقيق "بحُسن نيّة" بشبهات انتهاك القانون، وهو واجب تؤدّيه النيابة العسكريّة.

حتى هنا بخصوص غياب تحقيق أيًّا كان على مستوى السياسات. أمّا على المستوى العينيّ الخصوصيّ، فقد توجّهت بتسيلم ومنظمات أخرى إلى النيابة العسكريّة بشأن عشرات الحالات العينيّة التي اكتنفتها شبهة انتهاك القانون الإنسانيّ الدوليّ. وفتحت النيابة العسكريّة تحقيقات إضافيّة بمبادرة منها، بعضها في أعقاب حوادث وردت في تقرير لجنة جولدستون. وباستثناء ذلك فقد أمر قائد الأركان بإجراء خمسة تحقيقات ميدانيّة في مسائل مختلفة، تولاها ضباط برتبة كولونيل. وتركّزت ثلاثة تحقيقات في حوادث عينيّة تعلّقت بالمسّ بمنشآت تابعة للأمم المتحدة، والمسّ بمنشآت وأطقم طبيّة، وفي أحداث قُتل فيها الكثير من المدنيّين لم يكونوا مشاركين في الاقتتال. وتركّز التحقيقان الأخيران في مسائل عامّة: استخدام القنابل الفوسفوريّة وهدم المباني والبنى التحتيّة.

لم تنشر النيابة العسكرية معطيات كاملة بشأن نتائج التحقيقات التي أجرتها. وبعد نحو سنة ونصف السنة على انتهاء "الرصاص المصبوب"، قدّمت إسرائيل إلى الأمم المتحدة تقريرًا تلخيصيًا لنشاطاتها التحقيقيّة. وبناءً على تقرير الأمم المتحدة الذي صيغ استنادًا إلى هذا التقرير، فإنّ النيابة العسكريّة فحصت أكثر من 400 حادثة، أدّت إلى فتح ما لا يقلّ عن 52 تحقيقًا لدى الشرطة العسكريّة المحققة. ووفقًا للمعلومات المتوفرة لدى بتسيلم، ثمة ما لا يقلّ عن حالة واحدة –قُتل فيها خمسة أفراد من عائلة واحدة- لم يُتخذ قرار بشأن فتح تحقيق بخصوصها لدى الشرطة العسكريّة المحقّقة.

وفقًا للمعلومات التي أفادت بها النيابة، انتهت ثلاثة تحقيقات لا غير بتقديم لوائح اتهام:

  • لائحة اتهام ضدّ جنديّ بتهمة سرقة بطاقة ائتمان. حُكم عليه بـالحبس 15 شهرًا منها 7.5 أشهر فعليّة وتجريده من رتبته.
  • لائحة اتهام ضدّ اثنيْن من الجنود بادّعاء استخدامهما لطفل يبلغ تسعة أعوام كدرع بشري وأمراه بفتح حقائب كانت مشتبه بها بأنها مفخخة. أدين الجنديّان وحُكم عليهما بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، ولتخفيض رتبتيْهما من رقيب أول إلى رقيب.
  • قُدّمت لائحة اتهام ضدّ جنديّ جراء "قتل مجهول" والتصرف بشكل غير لائق. وفي إطار صفقة ادّعاء أدين الجنديّ بمخالفات استخدام السلاح خلافًا للقانون والتصرّف غير اللائق. وحُكم الجنديّ بـالحبس الفعلي 45 يومًا، ونصف سنة حبس مع وقف التنفيذ وتجريده من رتبته. وفي ثلاث حالات إضافيّة حُوكم ستة ضباط ضمن محاكمات تأديبيّة.

وفقًا لنتائج التحقيق المتعلقة باستخدام القنابل الفوسفوريّة، وكما نشرتها النيابة العسكرية، فإنّ الجيش استخدم سلاحًا يحوي الفوسفور وفقًا للقانون، مع أنه جرت التوصية من باب التسهيل بعدم مواصلة استخدام أحد أنواع الأسلحة التي تحوي الفوسفور والذي استُخدم أثناء "الرصاص المصبوب".

للتلخيص: بعد المسّ بالسكان المدنيّين بشكل هائل، وقتل أكثر من 300 قاصر، وتشريد عشرات الآلاف –مع وجود شبهات خطيرة بأنّ هذه النشاطات تمّت إثر أوامر غير قانونيّة صادقت عليها النيابة العسكريّة والمستشار القضائيّ للحكومة- أجرى الجيش مئات الاستقصاءات وفتح عشرات التحقيقات لدى الشرطة العسكرية المحققة، إلا أنّ أقسى العقوبات التي فُرضت كانت بخصوص سرقة بطاقة ائتمان.

"عمود السحاب"، تشرين الثاني 2012

جرت حملة "عمود السحاب" في غزة بين 14/11/2012 و21/11/2012. قُتل أثناء الحملة 167 فلسطينيًّا، 87 منهم على الأقل لم يشاركوا في الاقتتال، ومن بينهم 32 قاصرًا. 80% من القتلى الفلسطينيّين الذين لم يشاركوا في الاقتتال أصيبوا في الأيام الأربعة الأخيرة من الحملة.

كانت الإصابات والأضرار التي لحقت بالسكان المدنيّين وممتلكاتهم أثناء "عمود السحاب" أقلّ بكثير من تلك التي وقعت في "الرصاص المصبوب". وقد استمرّت الحملة ثمانية أيام وأديرت كلها من الجوّ، لكن يبدو أنّ المسّ القليل جدًا الذي لحق بالسكان المدنيّين نبع أيضًا من تغيير في سياسة إطلاق النار التي اتبعها الجيش، ومن إطلاق النار المقلص والمحدّد. ومع ذلك، فإنّ تحقيق بتسيلم أشار إلى شبهات خطيرة بأنّ الجيش عمل خلافًا لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، في بعض الحالات على الأقلّ. وفي الكثير من الحالات لم يتلقّ المدنيّون أيّ تحذير كان سيُمكّنهم من الفرار قبل الهجوم. وفي حالات أخرى خرجت تحذيرات لم تكن كافية، ولم تُمكّن السكان المدنيّين من إخلاء بيوتهم. زدْ على ذلك أنّ الجيش تبنّى في بعض الحالات على الأقلّ تفسيرًا فضفاضًا جدًا للسؤال المتعلق بماهية الهدف العسكريّ الشرعيّ، ونتيجة لذلك هاجم أهدافًا مدنيّة وألحق الأذى بالمدنيّين.

في نيسان 2013 أعلنت النيابة العسكريّة أنّ قائد الأركان عيّن مع انتهاء عملية "عمود السحاب" لجنة عسكريّة داخليّة برئاسة اللواء نوعم تيبون، لتحقّق في الأحداث التي جرت أثناء الحملة. تدّعي النيابة أنّ عملية الفحص جرت على نطاق "واسع جدًا يتجاوز ما يلزم به القانون إسرائيل، استنادًا إلى القانون الدوليّ أو "سياسة التحقيقات" ذاتها" الخاصة بالنيابة العسكريّة".

فحصت اللجنة أكثر من 80 حادثة "أثارت شبهات بشأن انتهاك القانون أو ادُّعي مقتل مدنيّين فيها لم يشاركوا في الاقتتال، حتى لو يُطرح أيّ ادعاء بشأن انتهاك القانون". ووفقًا للنيابة العسكريّة، فإنّ فحص اللجنة تركّز في الأحداث العينيّة فقط، ولم يجرِ أيّ فحص للأوامر التي صدرت للقوات الميدانيّة أو للسياسة التي أملاها المستوى السياسيّ على الجيش.

نُقلت نتائج اللجنة إلى المدّعي العسكريّ العام كي يبتّ في مسألة فتح تحقيق جنائيّ أم لا. وحتى نيسان 2013 قام المدّعي العسكريّ بفحص نحو 65 حادثة، "ولم يجد مبرّرًا لفتح تحقيق جنائيّ في أيّ واحدة منها". ولخّصت النيابة:

من خلال فحص الأحداث العينيّة الذي جرى حتى لآن، تتضح صورة شاملة تفيد بأنّ قوات الجيش الإسرائيليّ التي كانت ضالعة في الهجمات التي جرت أثناء حملة "عمود السحاب"، عملت بشكل عام بمهنيّة عالية، ومن خلال اعتبارات متّزنة تُطبّق أحكام الحرب (ومن ضمنها مبادئ التمييز والتناسبيّة ووسائل الحذر قبل الهجوم). وجرى التشديد بشكل خاصّ على تقليص المسّ العرضيّ بالمدنيّين الذين لم يشاركوا في الاقتتال وبالأملاك المدنيّة، بما يتجاوز حتى متطلبات قوانين الحرب الخاصة بالقانون الدوليّ. صحيح أنه اُكتشفتْ في عدد قليل من الحالات نواقص مهنيّة معيّنة إلا أنها لم تُثر أيّ اشتباه بارتكاب مخالفة جنائيّة، وجرى استخلاص العبر المهنيّة من هذه النواقص.

للتلخيص: صحيح أنّ المسّ الذي لحق بالسكان المدنيّين أثناء "عمود السحاب" كان مختصرًا بشكل كبير قياسًا بـ "الرصاص المصبوب"، إلا أنّ شبهات كبيرة أثيرت هذه المرة أيضًا بأنّ الجيش عمل خلافًا للقانون، في جزء من الحالات على الأقلّ. واكتفى الجيش بإقامة لجنة عسكريّة داخليّة فحصت عشرات الحالات، وقضى المُدّعي العسكريّ العام في غالبيتها الساحقة بأنّ القوات العسكريّة عملت وفقًا للقانون. في هذه المرة أيضًا لم تُفحص مشروعيّة الأوامر التي صدرت للجنود.

والآن؟

بدأت حملة "الجرف الصامد" يوم 8/7/2014 عبر عمليات قصف واسعة من سلاح الجوّ على قطاع غزة، واستمرّت مع دخول الدبابات والجنود برًّا. من وقتها وحتى 10/8/2014 قُتل في قطاع غزة، استنادًا إلى معطيات أوّليّة جمعتها بتسيلم أثناء الحرب، ما لا يقلّ عن 1,767 فلسطينيًّا، من بينهم 431 شخصًا تحت سنّ الثامنة عشرة (معلوم عن أحدهم بأنه شارك في الاقتتال) و200 امرأة تحت سنّ الستين و85 شخصًا فوق سنّ الستين. وتفيد وزارة الصحة الفلسطينيّة بمقتل 2,137 فلسطينيًّا في قطاع غزة حتى يوم 26/8/2014.

زدْ على ذلك هدم آلاف البيوت وتهجير مئات آلاف الأشخاص من بيوتهم والتي من غير المؤكد أن يستطيعوا العودة إليها. ويشارك المستشار القضائيّ للحكومة والمُدّعي العسكريّ العام في جلسات الكابينيت (المجلس الوزاريّ المصغّر) بشكل دائم، حيث تُتخذ فيها القرارات المتعلّقة بالحملة، ويقع جزء كبير من الإصابات بعد الحصول على تصديق قانونيّ لها. هل يمكن في مثل هذه الحالة أن نتوقّع إجراء تحقيق مستقلّ وناجع من طرف السلطات الإسرائيليّة؟

اِستنادًا إلى تصرّف السلطات بعد الحملات العسكريّة السابقة في قطاع غزة، وبما أنه لم يجر حتى اليوم أيّ تغيير حقيقيّ على جهاز التحقيقات في الجيش، فلا مفرّ من الإجابة عن هذا السؤال بالنفي. ففي هذه المرة أيضًا، من المتوقع أن يقوم الجيش –هو وحده- بالتحقيق في تصرفاته وأدائه أثناء العمليات القتاليّة. وفي هذه المرّة أيضًا، سيعمل هذا الجهاز من دون أيّ رقابة خارجيّة، وكلّ ما سيكون متاحًا أمام الجمهور لفحصه هو التقارير التي ستصدر عن النيابة العسكريّة التي تقدّم فيها شهادة على نفسها –بالاستناد إلى موادّ سريّة- بأنها أجرت تحقيقات جدّيّة أفضت إلى أنّ الجيش عمل وفقًا للقانون.

وفي هذه المرّة أيضًا من المتوقع أن تتركّز التحقيقات في أحداث عينيّة فقط، من خلال تجاهل أوامر المستوى العسكريّ الرفيع التي صدرت إلى القوات الميدانيّة، وتجاهل سياسة مشكوك في مشروعيّتها حظيت بتصديق قانونيّ سلفًا، وتجاهل قرارات المستوى السياسيّ. واستنادًا إلى ما نشرته وسائل الإعلام يبدو أنّ الجيش قرّر المضيّ ثانية في النهج الذي مضى فيه بعد "عمود السحاب"، حيث أقيمت فعلا لجنة عسكريّة داخليّة برئاسة اللواء نوعم تيبون، الذي ترأس أيضًا لجنة فحص الأحداث بعد "عمود السحاب"، بغية فحص الحالات التي قُتل فيها مدنيّون.

وإلى جانب الأحداث الخاصة والعينيّة التي يُشتبه بأنّ جنودًا فيها تصرّفوا خلافًا للأوامر، يمكن الإشارة منذ الآن إلى التوجيهات والتعليمات التي تثير اشتباهًا بعدم مشروعيّتها، والتي عمل الجيش في "الجرف الصامد" وفقًا لها. نورد هنا أمثلة عدّة:

  • التوجيه للمسّ ببيوت ناشطي التنظيمات المسلّحة ضدّ إسرائيل: لقد ميّزت هذه المشكلة الكامنة في التعريف الفضفاض جدًا لما يمكن اعتباره "هدفًا عسكريًّا شرعيًّا"، نشاطات الجيش في السابق أيضًا. في "الجرف الصامد" كانت المرة الأولى التي يقصف فيها الجيش عشرات البيوت التابعة لناشطين، بعضها كان مأهولاً أثناء القصف. وخلافًا للهجمات المشابهة في السابق لم يُطرح الادّعاء بأنّ البيت يُستخدم لنشاط عسكريّ ما. وإذا كان الهجوم يتسند إلى هوية صاحب البيت فقط، فإنّ البيت لم يكن يشكّل هدفًا عسكريًّا شرعيًّا ولذلك فإنّ قصفه لم يكن مشروعًا.
  • غياب تحذير فعّال قبل القيام بالهجمات: حذّر الجيش السكان في بعض الحالات قبل تنفيذ الهجمات، سواء عبر إطلاق صاروخ تحذيريّ على البيت الذي يسعى لقصفه، أم عبر الهواتف والرسائل النصيّة أم عبر توزيع المنشورات في مناطق شاسعة. لكنّ الجيش لم يحدّد للسكان هوية المكان الآمن بالنسبة لهم وكيف بوسعهم الوصول إلى هناك. وحين يقوم الجيش بتحذير السكان مع اكتفائه بتحذير غير فعّال، لا يمكن الادّعاء أنه قام بواجبه المنصوص عليه في القانون. السؤال حول المكان الدقيق لوجود موقع آمن في غزة أثناء "الجرف الصامد" هو سؤال حاسم في ظلّ تجربة المدنيّين الذين استجابوا لتحذيرات الجيش وقُتلوا في المكان الذي لجأوا إليه أو في طريقهم إليه، وفي ظلّ الكثافة السكانيّة العالية في القطاع وحقيقة كونه مغلقًا من كلّ صوب.
  • انتهاك مبدأ التناسبيّة: وفقًا للمعلومات المتوفرة لدى بتسيلم، ثمة ما لا يقلّ عن 70 منزلاً قُصفت أو فُجّرت، قتل فيها أكثر من ثلاثة أفراد من العائلة ذاتها. ويصل العدد الإجماليّ للقتلى في هذه البيوت السبعين إلى 542 شخصًا، غالبيّتهم من القاصرين والنساء: 242 قاصرًا و126 امرأة حتى سنّ الستين و25 شخصًا فوق سنّ الستين. وتشير هذه المعطيات إلى اشتباه كبير بأنّ الجيش تجاهل المطلب القانونيّ القاضي بأخذ المسّ المتوقع بالمدنيّين بعين الاعتبار وعدم الاكتفاء بالأفضليّة العسكريّة المتوقعة من العمليّة، وذلك حتى لو كان الهجوم يتمّ، بنظر الجيش، ضدّ هدف عسكريّ شرعيّ، وهو افتراض مشكوك في صدقيّته في غالبية الحالات. ونتيجة لتكرار هذه الحالات، يُثار اشتباه كبير بأنّ الحديث لا يدور عن قرار عينيّ صادر عن جنديّ على الأرض، بل عن تعريف سياسيّ يسمح سلفًا بالمسّ غير التناسبيّ بالسكان المدنيّين.

من خلال ما نشرته وسائل الإعلام ومن تجارب الماضي، يتّضح أنّ غالبية القرارات أثناء "الجرف الصامد" صدرت بعد تلقي استشارة قانونيّة من المدّعي العسكريّ العام ومن المستشار القضائيّ للحكومة. من الواضح، إذًا، أنّ مشروعيّة هذه القرارات ومشروعيّة السياسة التي عمل الجيش وفقًا لها لا يمكن أن تُفحص، هذه المرة أيضًا، بواسطة جهاز تطبيق القانون القائم.

قبل التلخيص، سنتطرّق إلى تقرير لجنة طيركل الذي تركّز في أجهزة التحقيق القائمة في إسرائيل من أجل فحص انتهاكات القانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى لجنة تشيحنوفر التي تنشط في هذه الأيام وتتناول طرق تطبيق توصيات التقرير. لا يوفر تقرير طيركل إجابات على غالبية الأسئلة التي طُرحت في هذا المستند، ولذلك نحن نعتقد أنه لا يجب انتظار صدور توصيات لجنة تشيحنوفر. صحيح أنّ لجنة طيركل وضعت سلسلة من التدابير يجب على النيابة العسكريّة أن تتبعها بغية تنجيع العناية بالتحقيقات المتعلقة بشبهة انتهاك القانون- وبالفعل، فإنّ تطبيق هذه التوصيات سيؤدّي إلى عناية أكثر نجاعة وسرعة بالشكاوى المقدّمة؛ إلا أنّ اللجنة لا توفر أسئلة مبنويّة على التحقيق مع الضباط رفيعي الرتبة ومع المستوى السياسيّ. وبخصوص هذا المستوى، تكتفي اللجنة بتوصية إقامة لجنة تحقيق رسميّة إذا اقتضت الحاجة. إذا تذكّرنا أنّ الحكومة نفسها هي التي يجب أن تتخذ قرارًا بشأن لجنة كهذه، فإنّ هذه الإمكانيّة لا تشكّل حلاً حقيقيًّا، ذلك لأنّ تجارب الماضي تشير إلى أنّ لجان التحقيق الرسميّة هي مسألة سياسيّة وليست قضائيّة، وأنّ إقامتها تستند بالأساس إلى ضغط جماهيريّ (لا يبدو أنه سيُمارَس في كلّ ما يتعلّق بالحرب في غزة). وتقدّم اللجنة أيضًا بخصوص مشكلة "الدور المزدوج" الذي يلعبه المُدّعي العسكريّ العام، توصيات تقنيّة بالأساس، لا تشكّل حلاً لمشكلة تضارب المصالح حيث يكون مسؤولاً عن النيابة العسكريّة وعن صياغة الأوامر أثناء الحرب. زدْ على ذلك أنه حتى لو قرّرت لجنة تشيحنوفر تطبيق كلّ توصيات لجنة طيركل بحذافيرها، فإنّ كلّ التحقيقات ستظلّ تُجرى في داخل الجيش، وسيجد الجيش صعوبة في التعامل مع تصرّفات جنوده على أنها مسألة جنائيّة (باستثناء حالات العنف والنهب وما شابه). أمّا التوصية بخصوص إقامة وحدة في وزارة القضاء فهي ضبابيّة ولا يمكن الاعتماد عليها كجهاز نقد ذاتيّ.

إن الأمور الواردة في هذا المستند صحيحة للفترة التي كُتب فيها، ونحن سنسعد طبعًا لو كنا مخطئين. وإذا قرّرت الحكومة إقامة جهاز تحقيق مستقلّ وجدّيّ وموضوعيّ لفحص الشبهات بانتهاك القانون الإنسانيّ الدوليّ أثناء "الجرف الصامد" –أو إذا قرّرت لجنة تشيحنوفر وضع نظام إجرائيّ يؤدّي بشكل أوتوماتيكيّ إلى إقامة جهاز كهذا بعد كلّ هجوم عسكريّ واسع في غزة- فسنكون أوّل المباركين. المتطلبات الدُنيا لمثل هذا الجهاز هي مهنيّته ومصداقيّته الجماهيريّة واستقلاليّته عن الجهاز العسكريّ وعن المستويات السياسيّة الضالعة. زدْ على ذلك أنّ دمج مراقبين دوليّين غير منحازين في التحقيق يمكن أن يسهم الكثير في تثبيت مصداقيّته. ولكن ما دام اقتراح لإقامة مثل هذا الجهاز لم يُطرح بعد، ولم يُطبّق أصلاً، فلا مجال أمامنا إلاّ الاستناد إلى تجارب الماضي والقول صراحةً إنّ جهاز تطبيق القانون القائم غير قادر على التحقيق في الادّعاءات المتعلّقة بانتهاكات القانون الإنسانيّ الدوليّ التي تقترفها إسرائيل في قطاع غزة.