المدير العام لمنظمة بتسيلم يتحدث عن 50 عاما من الاحتلال الإسرائيلي

تم النشر في: 
21.6.17

حجاي العاد يلقي خطاب أمام البرلمان الدانمركي في كوبنهاجن، 9 حزيران 2017.
حجاي العاد يلقي خطاب أمام البرلمان الدانمركي في كوبنهاجن، 9 حزيران 2017.

اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي هذه باستحضار حالتين من الغبن أو الظلم التاريخي عرفهما عالمنا. لقد رفض ضمير الإنسانية كوابيس الاضطهاد والإهانة والاستغلال هذه، ولكني هنا اليوم لكي أتناول أحد أكبر المظالم في عصرنا: اضطهاد وإهانة واستغلال الشعب الفلسطيني. وباختصار: الاحتلال.

حقًّا، إنّ المقارنات التاريخية لا تكون تامّة أبدًا – ولكنّ ذلك لا يهمّ كثيرًا بالنسبة لأشخاص يعيشون تحت الاحتلال منذ نصف قرن. ليست الدقّة هي العبرة التي يقدّمها لنا التاريخ: العبرة التي يقدّمها لنا هي بوصلة الأخلاق. الظلم هو أن يعيش شعب بأكمله تحت سلطة الآخر طيلة خمسين سنة. أنت لا تحتاج أن تكون مختصًّا في القانون الإنساني الدولي لكي تدرك ذلك. كلّ ما تحتاجه هو الضمير، والالتزام بالقيام بنشاط لا عُنفيّ لأجل إنهاء الظلم.

اسمحوا لي أوّلاً، أن أقتبس أحد دعاة إلغاء العبوديّة، الأمريكي فريدريك دوجلاس، الذي قال قبل 165 سنة: "... ينبغي كشف نفاق الأمّة؛ وجرائمها ضدّ الله والإنسان ينبغي نشرها على الملأ والتنديد بها... السلطة لا تتخلّى عن شيء ليس وراءه مُطالب. لم تفعل هذا من قبل ولن تفعله أبدًا".

من الواضح أنّ المقارنة مع الجنوب الأمريكي العميق ليست مطابقة تمامًا: الفلسطينيون ليسوا عبيدًا، ولكنّهم أيضًا ليسوا أحرارًا. يمكن الملاحظة بالعين المجرّدة أنّهم يعيشون معزولين داخل الجدران والأسوار، والفضاء فوقهم يعجّ بأبراج المراقبة والزنّانات (الطائرات بدون طيّار). ولكن العين المجرّدة لا يمكنها رؤية السلاسل غير المرئيّة التي تقيّد الفلسطينيين في كلّ أنحاء الضفة الغربية وشرقيّ القدس وقطاع غزّة: تصاريح لا نهائية، تكاد تتحكّم بكلّ مناحي الحياة؛ أوامر عسكرية؛ إدارة إسرائيلية لسجلّ السكّان؛ وواقع الإقصاء الكلّي من العملية السياسية رغم أنّها تتحكّم بمستقبلهم وتقرّر مصائرهم.

بعد فريدريك دوجلاس بمئة وعشر سنوات، واجه نلسون مانديلا أولى جلسات محاكمته أمام المحكمة العليا في بريتوريا (السيناجوج سابقًا). هناك تحدّث مانديلا عن هذا الشكل من الإقصاء بالضبط: "لا أرى نفسي ملزمًا – لا قانونيًا ولا أخلاقيًا – بإطاعة قوانين سنّها برلمان لا تمثيل لي فيه".

ومن الواضح أنّ المقارنة مع أبارتهايد جنوب إفريقيا أيضًا ليست مطابقة تمامًا. ولكنّني لست بصدد تصنيم مختلف الترسيمات الشكلية لهذه المظالم: النُّظم القانونية المنفصلة التي تفرضها إسرائيل في الضفة الغربية تقسّم الناس ليس على أساس العرْق – بل القوميّة؛ صحيح أنّ الفلسطينيين ليسوا ملزمين بقوانين برلمان لا تمثيل لهم فيه، ولكنّهم يخضعون لأوامر عسكرية تصدرها سلطة احتلال لا تمثيل لهم فيها؛ كذلك لا يُمنع الفلسطينيون من دخول الحوانيت والمراحيض التي يستخدمها الإسرائيليون، أو من الجلوس المقاعد المخصّصة للإسرائيليين. النقطة الجوهرية هنا ليست هذه الأمور، وإنّما قدرة الإنسان على أن يعيش حياة مكتملة ممتلئة بالمعنى. كثيرة جدًّا هي القيود الفعليّة التي تتحكّم بحياة الفلسطينيين، وتمسّ بقدرتهم على الحركة والتنقّل، وعلى الدراسة، والزواج، والعمل، والازدهار. أمّا الإسرائيليون فلهم كامل الحرّية. من هنا، نحن أمام واقع تتحدّد فيه فرص حياة الفرد ليس تبعًا لقدراته ومواهبه أو حتّى رغبته، وإنّما تبعًا لهويّته القومية: لامواطن فلسطينيّ تحت الاحتلال، أو مواطن إسرائيليّ.

וوهكذا، نصل إلى الحاضر، لنقف أمام ظلم ليس له مثيل يعادله. يستخدم الاحتلال على نحوٍ فريد حَرْفيّة القانون لتوفير غطاء شكليّ من الشرعيّة لكلّ ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين؛ عقوبات جماعيّة وهدم منازل الفلسطينيين؟ لأجل ذلك تتبع إسرائيل إجراءات قانونية سليمة. الاستيلاء على أرض فلسطينية؟ هنالك إمكانية استئناف، ولكنّها تنتهي بختم المحكمة القانونيّ على السرقة. الإفلات من العقاب؟ مرحبًا بكم في جهاز عسكريّ مجنّد كلّه لتبييض الانتهاكات وطمس الحقائق. والقائمة تطول وتطول: من الشوارع المعزولة في قلب الخليل، إلى غرف التحقيق التي يُترك فيها القاصرون ليواجهوا مصيرهم وحدهم؛ ومن حرارة الصيف الحارقة في قرية محرومة من مدّ أنابيب المياه الجارية، إلى عادة اعتقال أشخاص طيلة أشهر دون محاكمة؛ من جنود يقتحمون منزل أيّة عائلة فلسطينية في أيّ مكان وفي أيّ زمان يرتأونه، إلى منع عدد غير معروف من الفلسطينيين – يعدّون بالآلاف على الأقلّ - من السفر إلى خارج الضفة الغربية. لقد جعلت إسرائيل كلّ هذه الممارسات قانونيّة: محامو الدولة ونائبوها العامّون وقضاتها، كلّهم متواطئون – ومثلهم أيضًا الإداريون في الجهاز البيروقراطي والوزراء والجنود.

هذا كلّه موثّق بالدقّة والتفصيل. إنّه معروف جيدًا. لذلك، لا يتبقّى سوى القليل من الجديد لقوله: منذ خمسين عامًا، تواصل حكومات إسرائيل المتعاقبة فرض الوقائع على الأرض لأجل تحقيق غايتين لإسرائيل: إدامة السيطرة على الفلسطينيين وإبقائهم تحت سلطتها من جهة؛ وبطريقة ما، الحفاظ على صورتها كديمقراطية غربية في أعين العالم من جهة أخرى. وإذا كنتم تشكّون في مدى قِدَم هاتين الغايتين، تذكّروا كيف سارعت إسرائيل إلى إلغاء لجان التخطيط الفلسطينية المحلية في الضفة الغربية واستولت على صلاحياتها، وحرمت بذلك الفلسطينيين من إمكانية البناء المرخّص قانونيًا، ومهّد الطريق لبناء المستوطنات: لقد حصل ذلك منذ عام 1971. ومتى عدّلت إسرائيل قانون الانتخابات، الذي مكّن المستوطنين الإسرائيليين من التصويت للكنيست من خارج إسرائيل، وحرم ذلك على جيرانهم الفلسطينيين؟ منذ 1970.

لقد قطعنا شوطًا بعيدًا جدًا منذ 1970، و1971، وبالتأكيد منذ 1967.

في كلّ لحظة من الخمسين سنة الماضية عشنا جميعًا – وكثيرون منّا ماتوا – في واقع العنف. الهواء في المناطق المحتلة مشبّع بالعنف – لأنّ اضطهاد شعب على يد شعب آخر هو عنف بحُكم التعريف. قد يتّخذ العنف شكل موظّف يرفض المصادقة على طلب تصريح، أو جنديّ يضغط على الزّناد. إنّه عنف في الحالتين، عنف في كلّ يوم يمضي – وهذا يجب أن يوضع له حدّ.

المَخرَج غير العُنفيّ من هذا الواقع يكون بالقيام بنشاط عالميّ ضدّ الاحتلال. الدفاع عن حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية مسؤولية إنسانيّة في كلّ مكان وفي كلّ زمان. هذا الكلام يصحّ بشكل خاصّ على العلاقة المركّبة بين أوروبا وإسرائيل، لأنّ أوروبا تتحمّل مسؤولية أخلاقية عن السياق التاريخي الذي أقيم فيه بيتي الوطنيّ – دولة إسرائيل. حقًّا، إنّ أوروبا على وجه الخصوص تتحمّل مسؤولية أخلاقية عن حفظ أمن إسرائيل. ولكنّ لا يصحّ ولا يمكن أن يقوم أمننا على أساس اضطهادِهِم. بل إنّ افتقاد الأمن أساسُه اضطهادُهُم.

اتّفاق الشراكة بين الاتّحاد الأوروبيّ وإسرائيل استند صراحة إلى، وأنا أقتبس: "ميثاق الأمم المتحدة، لا سيّما مراعاة حقوق الإنسان والديمقراطية". ولكن منذ عام 1967، تعيش الأراضي المحتلة واقع إنكار منظّم وممنهج لحقوق الإنسان والديمقراطية. وأقولها دون مُراعاة، نحن نقف أمام حقيقة ساطعة: خمسون سنة من الإنكار.

أيّ شخص تعزّ عليه أفضل القيم الأوروبية ينبغي أن يعترف بالتناقض الصارخ بين هذه القيم وفرض إسرائيل سلطتها على الفلسطينيين. لا يمكن أن ينسجم حُكم القانون مع واقع الإفلات من العقاب. لا توجد منطقة رمادية بين المساواة والاستغلال. هذه القيم تُدفن تحت الآن الأنقاض، ولن تخرج حيّة إذا لم تُتخذ إجراءات فعليّة لحمايتها.

مؤخّرًا، اجتمع العالم لأجل حماية هذه القيم وتبنّى قرار مجلس الأمن 2334. هذا القرار، أكّد من جديد الإجماع العالميّ على أنّه لا شرعية قانونية للمستوطنات، ودعا الدول الأعضاء إلى التمييز بين سيادة إسرائيل وبين سيطرتها على الأراضي المحتلة. تنفيذ القرار 2334 يشكّل خطوة أولى أساسيّة في الاتّجاه الصحيح، بحيث تكون الغاية النهائيّة وضع إسرائيل أمام خيار: إمّا إنهاء الاحتلال، أو مواجهة عواقب بقائها دولة احتلال لاديمقراطية. على إسرائيل أن تختار إمّا هذا أو ذاك. ويجب ألاّ يُسمح لها بمواصلة بهلوانيّات الرّقص على الحبلين.

بوضعكم إسرائيل أخيرًا أمام خيار واضح، سوف تسهمون في تحرير الفلسطينيين – وأيضًا ستساعدون إسرائيل على تخليص نفسها من الاحتلال. ليس هذا واقع صِفريّ المحصّلة: لن تصطفّوا بذلك إلى جانب أحد الطرفين. أنتم بذلك تدعمون كلا الطرفين، الإسرائيليين والفلسطينيين. ستكونون في صفّ الإنسانيّة، في الجانب الصحيح من التاريخ. إنهاء الاحتلال هو دعم لفلسطين، هو دعم لإسرائيل، هو العدل.

إذا كان هذا الكلام يخاطب ضمائركم، عندها يمكننا معًا إنهاء الاحتلال، تلك "الجريمة ضدّ الله والإنسان" – إذا استخدمنا مرّة أخرى كلمات فريدريك دوجلاس. كلّ واحد منّا يمتلك القوّة. ولهذا أناشدكم: لن تكفي الموافقة على هذا الكلام. "السلطة لا تتخلّى عن شيء ليس وراءه مُطالب. لم تفعل هذا من قبل ولن تفعله أبدًا"، يقول لنا دوجلاس. لقد آن الأوان أخيرًا لنطالب: أوقفوا الاحتلال!.