التعذيب في تحقيقات جهاز الأمن العام (الشاباك)
بتاريخ 6.9.99 حدد تسعة من قضاة المحكمة العليا بالإجماع أن قسما من وسائل
التحقيق التي يستعملها جهاز الأمن العام، منذ تقديم توصيات لجنة لندوي في
العام 1987 هي وسائل غير قانونية ومرفوضة. وبهذا تكون محكمة العدل العليا
قد شطبت التوجيهات التي كان يعمل جهاز الأمن العام على ضوئها حتى موعد اصدار
قرار الحكم، وهي توجيهات كانت تسمح بإستعمال سلسلة طويلة من وسائل التحقيق
التي تشكل شكلا من أشكال التعذيب. ومن بين الوسائل التي تم شطبها: الهز مع
من يتم التحقيق معه، تثبيته وربطه بوضعيات مؤلمة، منع النوم، تغطية الرأس
بكيس وإسماع الموسيقى الصاخبة. وقد صدر قرار الحكم في أعقاب سبعة التماسات
تم تقديمها بإسم الفلسطينيين الذين تم التحقيق معهم، بواسطة منظمات تُعنى
بحقوق الانسان: جمعية حقوق المواطن، مركز حماية الفرد ولجنة مكافحة التعذيب.
وقد وضع قرار الحكم الصادر عن محكمة العدل العليا حداً للحالة الخطيرة التي
كانت سائدة قبل ذلك، والتي كانت فيها اسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي
كان التعذيب فيها يعتبر قانونيا. وقد تم صياغة قوانين التعذيب من قبل لجنة
رسمية يرأسها قاض سابق في المحكمة العليا وتمت المصادقة عليها من قبل لجنة
حكومية. وقد تم تعيين لجنة برلمانية وتكليف مراقب الدولة بالرقابة على تنفيذ
هذه القواعد، وطُلِبَ من المحاكم المصادقة على طرق قانونية من أجل تأهيلها.
وجاء على لسان القضاة في قرار الحكم أنه :"إذا كانت الدولة تريد أن
تضمن لمحققي جهاز الأمن العام القدرة على استعمال الوسائل البدنية في التحقيقات،
يتوجب عليها في هذه الحالة أن تحدد صلاحية في هذا الشأن من خلال القانون".
ومع هذا، كما يضيف القضاة، فإن مثل هذا القانون، والذي سيمس بالضرورة بحرية
الخاضع للتحقيق، يتوجب أن يكون "لائقا بقيم دولة اسرائيل، ومخصص لهدف
لائق، وبمدى لا يزيد عن المطلوب، طبقا للشروط التي تم تحديدها في قانون الأساس:
كرامة الانسان وحريته".
وفي أعقاب قرار الحكم تنادى بعض وجهاء الجمهور الى سن قانون يسمح لجهاز الأمن
العام بالاستمرار في استعمال الوسائل البدنية في تحقيقاته. وقد قدم عضو الكنيست
روبي ريفلين من حزب الليكود مشروع قانون يحمل هذا المعنى. بالاضافة الى ذلك،
فقد قامت اللجنة الوزارية لشؤون جهاز الأمن العام، برئاسة رئيس الوزراء ايهود
براك، بتعيين لجنة من أجل فحص إذا ما كان بالإمكان سن تشريع قانوني بخصوص
التحقيقات التي ترتبط بإستعمال الضغط البدني. وفي كانون الأول 1999، قدمت
اللجنة توصياتها إلى الحكومة. ولم يتوصل أعضاء اللجنة، برئاسة نائب المستشار
القضائي للحكومة، ميني مزوز، ونائبة النائب العام في الدولة، راحيل سكر، الى
اتفاق حول التشريع المطلوب، وقاما بتحويل التوصيات المختلفة بخصوص هذا الموضوع
الى رئيس الحكومة.
بتاريخ 15.2.00 أعلن رئيس جهاز الأمن العام أنه
يتنازل عن مطلبه بسن قانون يسمح بإستعمال الضغط البدني أثناء التحقيقات،
خاصة على ضوء التبعات والآثار المترتبة عن هذا التشريع على صورة اسرائيل
في نظر العالم. وقد صرح رئيس الحكومة، ايهود براك، أثناء مداولات الكنيست
في تاريخ 14.3.00 في أنه يدعم التشريع الذي يسمح بإستعمال الضغط البدني
في حالات "القنبلة الموقوتة"،
أي "عندما يكون الأمر مطلوبا بصورة فورية لإنقاذ الحياة من خطر محقق
لإصابة خطيرة، وعندما لا تكون هناك وسيلة أخرى معقولة للحصول على هذه النتيجة".
ومنذ صدور قرار الحكم، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى بصورة خاصة، يطالب العديد
من وجهاء الجمهور بسن قانون يسمح بإستعمال التعذيب في التحقيقات.
كل سماح من خلال القانون، ولو كان رمزياً، بإستعمال الضغط البدني أثناء التحقيقات،
يجب أن يكون مرفوضا رفضا تاما، حتى لو كان بالإمكان إثبات أن مثل هذا الضغط
البدني في التحقيقات سيؤدي الى انقاذ الحياة. إن التعذيب يشكل مسا بالغا بإحترام
الانسان وكرامته الانسانية، ولهذا لا مكان لشمل هذه القيم في أية معادلات
توازنية من أي نوع.
فضلا عن ذلك، فإن تجربة الماضي تدل على أن كل مشروع قانون يسمح لجهاز الأمن
العام بإستعمال الضغط البدني إلى حد معين، ولو كان الأمر في الحالات الشاذة،
فشأنه كشأن اعطاء الترخيص القانوني للتعذيب. وهذه هي النتيجة التي يمكن استخلاصها
من فحص الطريقة التي تم فيها تطبيق توصيات لجنة لندوي خلال السنوات الـ 12
الأخيرة، والتي تدل على أنه من الناحية الفعلية لم يكن بالإمكان تقييد استعمال
الضغط البدني أثناء التحقيقات بحيث لا يصل الى درجة التعذيب، ولا يتم استعماله
بصورة روتينية. إن تقرير مراقبة الدولة في العام 1995، والذي تم نشره فقط
في العام 2000، يقوي هذا الاستنتاج، ويشير الى تجاوزات واسعة للقواعد التي
تم تحديدها من قبل لجنة لندوي.
بالاضافة الى ذلك، فإن كل قانون يسمح لجهاز الأمن العام بإستعمال الضغط البدني
أثناء التحقيقات أو التسبب بالمعاناة النفسية عن قصد وتعمد، حتى لو تم التحديد
من خلاله أن السماح مقصور على حالات انقاذ الحياة، وحتى لو حُظِرَ في التعذيب
بصورة واضحة، فإنه يناقض إحدى القواعد الأكثر تجذراً في القانون الدولي: المنع
المطلق للتعذيب، المعاملة القاسية، غير الانسانية والمذلة. إن الإعفاء من
التعذيب والأشكال الأخرى من المعاملة والتعذيب القاسي، والمعاملة غير الانسانية
أو المذلة هي حق أساسي ومطلق لكل انسان، ويحظر المس بهذا الحق مهما كانت الظروف.
إن اسرائيل تقف أمام تهديدات على أمنها، بما في
ذلك التهديدات من قبل مجموعات تستعمل القتل بلا تمييز من أجل الأهداف السياسية.
وعلى الرغم من هذا، فإن الدولة لا يمكنها أن تحارب مثل هذه الأعمال، والمخالفة
للقانون، من خلال قيام هذه الدولة بخرق القانون بنفسها. إن الأمر المرفوض
في أعمال هذه المجموعات يكمن في استعدادها لعدم الترفع عن الوسائل من أجل
تحقيق أغراضها. إن الدولة التي تسمح لقوات أمنها بتعذيب من يتم التحقيق
معهم في اطار حربها ضد أعدائها، تتبنى موقفا تكون من خلاله الأهداف مبررة
للوسيلة. غير أن مثل هذه الأساليب من العمل تنافي بصورة تامة القيم الأساسية
للدولة الديمقراطية، وكما حدد القاضي أهارون براك في قرار الحكم الذي شطب
وسائل التحقيق التي يتبعها جهاز الأمن العام: "هذا هو نصيب الديمقراطية، والتي لا تكون جميع الوسائل مرخصة
بالنسبة لها، وليست جميع الوسائل التي يستعملها أعداؤها متاحة لها".