القتال في غزة منذ خطة الانفصال
"مناطق الموت" بالقرب من الجدار
منذ اندلاع الانتفاضة الثانية ولغاية نهاية العام 2008 (لا يشمل حملة "الرصاص المصبوب") قتلت قوات الأمن الإسرائيلية 407 فلسطينياً على الأقل بالقرب من الجدار الذي يحيط بقطاع غزة. 131 قتيلا على الأقل لم يكونوا ضالعين في القتال، ومن بينهم 53 قاصرا. كثرة الحالات تثير الشك في أن الجيش الإسرائيلي عرّف مناطق ملحوظة مجاورة للجدار على أنها "مناطق موت" تلزِم الأوامر بشأنها الجنودَ باطلاق النار على كل شخص يدخل إليها، مهما كانت ظروف ذلك الدخول. جهات مختلفة في الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك المدعّي العسكري الرئيسي، أفيحاي مندنلبيط، أنكرت بحزم وجود مثل هذه الأوامر؛ غير أن حالات القتل التي وقعت منذ إتمام الانفصال تعزز وجودها. منذ اندلاع الانتفاضة الثانية يرفض الجيش الإسرائيلي الكشف عن أوامر إطلاق النار، وعلى النقيض مما كان الأمر في الماضي، يتم تلقينها للجنود شفهياً فقط من قبل الضباط في الميدان.
منذ إتمام الانفصال في أيلول 2005 وحتى نهاية العام 2008 (لا يشمل حملة "الرصاص المصبوب")، قتل بالقرب من الجدار الذي يحيط بالقطاع 31 مواطنا فلسطينياً غير مسلّح (من بين الـ131). كان بين القتلى 14 قاصرا. حوالي 12 قتيلا من بين القتلى لم يحاولوا أصلاً الوصول إلى الجدار، وقد تم إطلاق النار عليهم أثناء تواجدهم لأسباب مختلفة على بعد 100 حتى 800 متر من الجدار. وقد أطلقت النار على سبعة مواطنين آخرين أثناء محاولتهم اجتياز الجدار والتسلل إلى إسرائيل من أجل العمل وتم إطلاق النار على اثنين آخرين بالقرب من الحدود مع إسرائيل. رواية الجيش تؤكد حقيقة أن أياً منهم لم يكن يحمل سلاحاً أو مواد متفجرة من أي نوع كان. إضافة إلى ذلك، يتبين من التحقيقات التي أجرتها بتسيلم أنه لم تكن هناك أي محاولة لتحذير الفلسطينيين بضرورة الابتعاد عن المنطقة، ولم يمنحوا الفرصة لتسليم أنفسهم لأيدي الجنود. وقد اكتفى الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي باعلان مفاده أنه تم إطلاق النار بعد اشتباه الجنود بنية الفلسطينيين إطلاق النار عليهم أو وضع عبوة ناسفة بالقرب من الجدار.
أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني هو التمييز بين المقاتلين وبين المدنيين الذين لا يشتركون بالقتال. ويمنع هذا المبدأ، الاعتداء الذي يهدف إلى المس بالمدنيين ويحدد أنه إذا لم يكن واضحاً ما إذا كان الشخص مدنيا أو مقاتلاً، فمن الواجب التعامل معه على أنه مدني. إن إطلاق النار بشكل أوتوماتيكي على كل شخص يدخل إلى منطقة معينة، دون صلة بهويته أو بظروف تواجده في المكان، كما هو في الحالات المذكورة أعلاه، يشكل "إطلاق نار دون تمييز" والذي قد يعتبر جريمة حرب.
تقليص "مجال الأمان" في قطاع غزة
في نيسان 2006، نشر عبر وسائل الإعلام أن الجيش الإسرائيلي قلّص "مجال الأمان" بين المناطق المأهولة في قطاع غزة وبين المنطقة التي يتم إطلاق نيران المدفعية باتجاهها من 300 متر الى 100 متر. نظراً لأن مجال الانتشار لإصابة القذائف يصل إلى حوالي 100 متر من الهدف، ولأن إطلاق القذائف ليس دقيقا أصلاً، فإن تقليص مجال الأمان يعرّض عن علم مسبق حياة المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في تلك المناطق للخطر.
إن إطلاق نيران المدفعية الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي ليس إطلاقا دفاعيا في وقت حقيقي نحو مصادر النيران والى منصات صواريخ القسام. إن الهدف المعلن هو إطلاق نار باتجاه ما يسميه الجيش الإسرائيلي "مجالات إطلاق القسام"، وهي مناطق واسعة، أطلِقت منها حسب الاعتقاد صواريخ القسام في موعد سابق. من هنا، فإن الحديث هو عن هجوم مبرمج، هدفه العقاب أو الردع وليس الدفاع عن النفس.
وقد أسفر أحد الحوادث المرتبطة بتقليل مدى الأمان عن مقتل الصبية هديل أبو غبن، 9 سنوات، من بيت لاهيا، بسبب قذيفة سقطت داخل بيتها. وقد أصيب 12 من أبناء عائلتها جراء سقوط القذيفة، ومن بينهم أمها الحامل وثلاثة من أخوتها الذين تتراوح أعمارهم بين 3-6 أعوام.
بتاريخ 16.4.2006 قدمت منظمات حقوق الإنسان، ومن بينها بتسيلم، التماسا إلى محكمة العدل العليا، بطلب إلغاء قرار الجيش الإسرائيلي بتقليص "مجال الأمان" لإطلاق المدافع. ما زال الالتماس قيد البحث.
هناك قاعدة أساسية في أحكام الحرب تلزم الطرفين المتحاربين بتوجيه عملياتهم نحو الأهداف العسكرية والتمييز بين المقاتلين والمدنيين. قاعدة التناسب، التي تعتبر حجر أساس في القانون الإنساني الدولي، تحظر القيام بالهجوم، حتى عندما يكون موجها نحو هدف عسكري مشروع، إذا عُلم أنه قد ينجم عنه ضرر مبالغ فيه مقارنة بالفائدة العسكرية المتوقعة من الهجوم.
إن قتل وجرح المدنيين نتيجة لإطلاق القذائف، التي هي بمثابة سلاح غير دقيق، باتجاه أهداف مجاورة لأحياء سكنية، يشكل انتهاكاً خطيرا للمبادئ الأساسية الخاصة بأحكام القتال وهو جريمة حرب.