حجم سيطرة إسرائيل في قطاع غزة
في أيلول 2005، أكملت إسرائيل تنفيذ "خطة الانفصال" التي صادقت عليها الحكومة والكنيست. كان المركبان الأساسيان للخطة هما تفكيك جميع المستوطنات التي أقيمت في قطاع غزة من خلال إخلاء المستوطنين إلى المناطق الإسرائيلية وسحب كافة قوات الجيش الإسرائيلي إلى خارج منطقة القطاع. مع إتمام تطبيق الخطة، أصدرت إسرائيل أمراً أعلنت من خلاله عن انتهاء الحكم العسكري في قطاع غزة. إن مجمل التغيرات التي حصلت في أعقاب الانفصال أدت إلى تحسن ما في قدرة السكان الفلسطينيين في غزة على إدارة حياتهم، وفي مقدمة ذلك قدرتهم على التحرك بحرية في معظم منطقة القطاع. مع ذلك، حتى بعد إتمام الانفصال تواصل إسرائيل التحكم إلى درجة حاسمة بالنواحي المركزية لحياة الفلسطينيين في قطاع غزة:
- المجال الجوي والبحري: تواصل إسرائيل السيطرة بشكل مطلق على المجال الجوي وعلى شواطئ قطاع غزة. إن السيطرة على المجال الجوي تمنح إسرائيل من بين ما تمنحها، القدرة على القيام بالرقابة السهلة والناجعة لما يجري على الأرض، والقدرة على التدخّل بأشكال البثّ المختلفة التي تتم عبر الجو، ومن ضمنها الراديو والتلفزيون. إن استمرار السيطرة على المجال البحري يمكّن إسرائيل، من بين ما يمكنها، من عرقلة صيد الأسماك لسكان القطاع. نتيجة لاستمرار السيطرة على هذه المجالات فعلى السلطة الفلسطينية الحصول على موافقة إسرائيل من أجل تفعيل ميناء بحري أو مطار. إن عدم إقامة هذه الموانئ يمسّ بشكل مباشر بحرية الحركة إلى قطاع غزة وكذلك في القدرة على مزاولة التجارة الخارجية.
- سجلّ السكان: تواصل إسرائيل السيطرة على سجلّ السكان المشترك للضفة الغربية وقطاع غزة. مع أن الصلاحية الرسمية لإدارة سجلّ السكان تم تحويلها منذ اتفاقية أوسلو ب (1995) إلى أيدي السلطة الفلسطينية، غير انه على أرض الواقع بقيت معظم الصلاحيات لإدارته بأيدي إسرائيل. كل تغيير تقريباً يتم تنفيذه في سجل السكان، ما عدا تسجيل الأولاد لوالدين من سكان الاراضي الفلسطينية، يتطلب الحصول على مصادقة مسبقة من إسرائيل. أي تغييرات يتم تنفيذها من قبل السلطة، دون مصادقة مسبقة من إسرائيل، هي تغييرات غير معترف بها إسرائيليا. لم يتغير هذا الوضع حتى بعد الانفصال عن قطاع غزة. من خلال تحكمها بسجلّ السكان، تستمر إسرائيل بتحديد من هو "مواطن فلسطيني" ومن هو "أجنبي". بالإضافة إلى ذلك، في ظل هذه السيطرة، تُلزم إسرائيل السلطة الفلسطينية بالحصول على مصادقتها على أي تغيير يطرأ على البند الخاص بعنوان مواطن القطاع الذي يريد أن ينقل مكان سكناه إلى الضفة الغربية.
إن السيطرة على سجلّ السكان، كما سيتضح فيما يلي، ينطوي على أبعاد خطيرة ضمن عدد من المجالات.
- دخول "الأجانب": بالرغم من تسليم معبر رفح الذي يربط بين مصر وبين قطاع غزة للإدارة الجارية للسلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل تواصل التحكم بدخول الأشخاص غير المعرّفين كسكان القطاع إلى داخل غزة. حسب الاتفاق الذي تم التوصل إليه بهذا الشأن بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في تشرين الثاني 2005، يحق للسلطة أن تدخِل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح "سكان فلسطينيين" فقط، أي الفلسطينيين المسجّلين في سجلّ السكان الفلسطيني والذين يحملون هويات فلسطينية. إضافة لذلك، فإن السلطة ملزَمة حسب الإتفاق بمنع دخول السكان الفلسطينيين إذا اعترضت إسرائيل على ذلك لدواع أمنية. من أجل ضمان تنفيذ الاتفاق، وضع في معبر رفح مراقبون أوروبيون. يسمح للسكان "الأجانب"، باستثناء بعض الفئات الخاصة، بالدخول إلى القطاع، فقط من خلال المعبرين كيرم شالوم وإيرز اللذان بقيا تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة. إن التحكم بدخول "الأجانب" يمكّن إسرائيل من مواصلة سيطرتها على عملية لمّ الشمل بين سكان قطاع غزة وبين أزواجهم/ زوجاتهم من خارج البلاد. اضافة إلى ذلك، فإن التحكم بدخول الأجانب يمنح إسرائيل تأثيرا حاسماً على قدرة أداء اجهزة اجتماعية واقتصادية كثيرة والتي تعتمد على وجود أشخاص مهنيين من أصحاب الخبرات من خارج البلاد.
- لتنقل بين قطاع غزة والضفة الغربية: تستمر إسرائيل ببسط سيطرتها المطلقة على تنقل الأفراد والبضائع بين الضفة الغربية وبين قطاع غزة، حتى عندما لا يتم الانتقال بين المنطقتين عبر أراضيها. تعتمد هذه السيطرة على أمر عسكري يعرّف الضفة الغربية بأكملها على أنها "منطقة عسكرية مغلقة"، بحيث أن الدخول إليها والخروج منها خاضع للحصول على إذن مباشر من إسرائيل. إن سكان قطاع غزة الذين يتم القبض عليهم داخل الضفة الغربية، حتى إن كانوا يعيشون فيها سنوات وأقاموا فيها أسرا لهم، يُعتبرون "ماكثين غير قانونيين" ويتم طردهم إلى القطاع. بناء على ذلك، فإن تغيير بند العنوان في الهوية من منطقة إلى أخرى ملزَم بالحصول على مصادقة إسرائيل. إضافة إلى ذلك، تعرّف إسرائيل الكثير من السكان في الضفة الغربية على أنهم من "المرفوضين/الممنوعين من الخروج إلى خارج البلاد"، وبالتالي تمنعهم من الوصول إلى قطاع غزة. إن استمرار التحكم بحرية الحركة بين المنطقتين له أهمية حاسمة على ضوء مستوى التعلق المتبادل والعالي ما بين المنطقتين والذي تبلور بسبب عمل المنطقتين على مدار السنين كوحدة سياسية واحدة. إن هذا التعلق بارز على وجه الخصوص في مجالات أساسية مثل الحكم، خدمات الصحة، التعليم العالي والتجارة. اضافة لذلك، فإن معظم السكان في كلا المنطقتين يرتبطون ببعضهم البعض من خلال علاقات عائلية واجتماعية وطيدة.
- مرور البضائع: تواصل إسرائيل السيطرة بشكل مطلق على مرور البضائع إلى داخل القطاع. المعابر التجارية الثلاثة المخصصة لهذا هي: كارني، صوفا وكيرم شالوم، وجميعها تحت سيطرة إسرائيلية مطلقة. في معبر رفح، الذي تم نقل إدارته إلى أيدي السلطة الفلسطينية، توجد بالفعل محطة لنقل البضائع، غير أنه بناء على الاتفاق الذي أُبرم في تشرين ثاني 2005، فإن هذا المعبر يُستخدم فقط لتصدير البضائع وليس للاستيراد. إن أهمية القدرة المستقلة للسلطة على تصدير البضائع عبر معبر رفح هي قدرة محدودة، في كل الأحوال، إذ أن معظم التصدير من القطاع موجّه إلى إسرائيل أو أنه يتم عبر موانئها، ولذا فإنه يجري بالأساس من خلال معبر كارني. توجد للسيطرة الإسرائيلية التي تكاد تكون مطلقة على انتقال البضائع من القطاع واليه تبعات بعيدة المدى. إن قرارات إسرائيل بشلّ المعابر التجارية، الأمر الذي يحدث في فترات متقاربة، تؤدي خلال فترة قصيرة نسبيا، إلى شلّ الاقتصاد في القطاع مما يترتب عليه حدوث نقص حاد في المواد الأساسية، ومن ضمنها الغذاء والأدوية.
- نظام الضرائب: وفقا للترتيبات التي وضعت في إطار اتفاقية باريس (1994) بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تواصل إسرائيل السيطرة بشكل ملحوظ على نظام الضرائب في قطاع غزة. حسب هذه التسويات، فإن إسرائيل مسئولة عن تحديد نسب ضريبة القيمة المضافة والجمارك التي تُفرض على البضائع المعدّة للاستهلاك في القطاع، على جباية تلك الضرائب من أجل السلطة الفلسطينية وعن تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية كل شهر. هذه الصلاحيات تمنح إسرائيل، من بين ما تمنحها، القدرة على وقف تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية لغرض العقوبة، وذلك يمس بجميع النشاطات والأعمال المموّلة من ميزانية السلطة، وبضمن ذلك دفع الرواتب وتوفير المساعدات الإنسانية. إن إسرائيل مسئولة في إطار تلك الاتفاقيات أيضا عن منح الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة والجمرك للمنظمات العاملة دون هدف للربح والتي تنشط في النشاطات الإنسانية الحيوية من أجل تقديم السلع والمواد التي يتم التبرع بها من الخارج. إن صلاحية إسرائيل بشطب هذا الإعفاء ذات أبعاد جدية، إذ أنه بدون هذا الإعفاء، ستضطر المنظمات لدفع الضرائب التي تجبى من المستورد عند إدخال البضائع إلى القطاع من خلال أحد المعابر الموجودة تحت سيطرة إسرائيل.