خلفية
"العيارات المطاطية"
القذائف المسمارية (فلاشيت)
التحقيقات العسكرية
معطيات عن القتلى
اصدارات عن الموضوع
   


منذ بداية الإنتفاضة في 29 ايلول 2000، وحتى 31 كانون اول 2006، قتلَ في المناطق الفلسطينية 3,944 فلسطينياً، منهم 809 قاصراً تقل أعمارهم عن 18 عاماً. على الاقل 1,915 من القتلى لم يشاركوا في اعمال القتال. 210 منهم كانوا مستهدفين. واصيب الالاف من الفلسطينيين.

ومنذ العام 1967 ولغاية اليوم تسيطر اسرائيل على الضفة الغربية (بما في ذلك شرقي القدس) وقطاع غزة. وعلى ضوء ذلك، فهي ملزمة بالعمل في هذه المناطق طبقاً لتعليمات القانون الإنساني الدولي الذي يُعنى بالمناطق المحتلة. وطبقاً لهذه التعليمات، فإن صلاحية قوات الأمن الإسرائيلية في إستعمال القوة ضد المواطنين الفلسطينيين مقصورة على مهام تطبيق القانون، على غرار الصلاحية الممنوحة للشرطة فيما يتعلق بمواطني اسرائيل الذين يعيشون داخلها.

والى حين اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000، كانت تعليمات اطلاق النار في المناطق الفلسطينية مقصورة على مهام تطبيق القانون، وقد جرى ملائمة هذه التعليمات مع قانون العقوبات الخاص بدولة اسرائيل. وقد سُمِحَ بإطلاق النار بالذخيرة الحية في ثلاث حالات: الأولى، عند التعرض لخطر على الحياة، وتم تعريف الخطر على أنه "خطر محقق يؤدي الى فقدان حياة شخص أو الحاق الأذى والضرر الصعب ببدنه". وقد سُمِحَ بإطلاق النار في هذه الحالة بهدف الإصابة، نحو المهاجم فقط، وعندما لا تكون هناك وسيلة أخرى للإحتماء من الخطر. الحالة الثانية تُعنى بالحاجة الى تفريق "أعمال الشغب العنيفة" بعد استعمال وسائل أقل خطورة، مثل القنابل الصوتية، الغاز المسيل للدموع و"العيارات المطاطية"، واتضاح عدم جدواها. أما الحالة الثالثة فتتناول الإجراءات الخاصة بإعتقال المشبوه، حيث يسمح بإطلاق النار بإتجاه ساقي المشتبه به بإقتراف جريمة خطرة، كمرحلة أخيرة، وبعد إنذاره واطلاق النار في الهواء، وعندما لا يكون هناك ثمة خطر في إصابة الآخرين.

إن وجود التعليمات الخاصة بإطلاق النار لم يمنع على مدار السنوات موت وجرح فلسطينيين أبرياء. إن أحد الأسباب الرئيسية لهذا يعود الى الإستعمال الدارج لإطلاق النار القاتل في الحالات التي لا يكون فيها من الناحية الفعلية ثمة خطر محقق على حياة الجنود أو المدنيين. ويعود السبب الآخر الى أن اسرائيل لم تبذل جهداً في التطوير أو التزود بوسائل غير قاتلة لتفريق المظاهرات العنيفة من أجل تقليص عدد الفلسطينيين الذين يُصابون في أحداث من هذا القبيل.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى عرَّفت اسرائيل ما يحدث في المناطق الفلسطينية تعريفاً مطلقاً على أساس أنه "نزاع مسلح" أو بمعنى آخر، حرب. إن هذا التعريف يتجاهل كون جزء من النشاطات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية- تفريق المظاهرات، تنفيذ الإعتقالات وفرض تقييدات على حرية الحركة والتنقل- هي اعمال شرطية وتطبيق عادي للقانون، وقد تم تعريفها على هذه الشاكلة قبل الإنتفاضة الحالية. إن التغيير الذي طرأ على تعريف الحالة في المناطق الفلسطينية، وفَّر في ظاهر الأمر مبرراً لإجراء تغيير ملحوظ على تعليمات اطلاق النار.

تجدر الإشارة الى أنه بخلاف ما كان عليه الأمر في الماضي، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى، فقد توقف الجيش الإسرائيلي عن توزيع مذكرة على الجنود الذين يخدمون في المناطق الفلسطينية وتشتمل على تعليمات خاصة بإطلاق النار. ومع هذا، تظهر من الشهادات التي قامت منظمة بتسيلم بجمعها من الجنود، ومن خلال المعلومات المنشورة في وسائل الإعلام، نماذج كثيرة للتغييرات التي طرأت على التعليمات الخاصة بإطلاق النار، حيث اتسعت بصورة ملحوظة الحالات والظروف التي يسمح فيها لجنود الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار. على سبيل المثال:

  • توسيع مصطلح "الخطر على الحياة" بحيث صار يشتمل على أوضاع لم يكن بالضرورة يشملها في السابق، مثل حالات القاء الحجارة وقذفها.
  • اطلاق النار دونما تحذير (في مراحل ومناطق معينة) على كل فلسطيني يحمل السلاح.
  • طلاق النار بالذخيرة الحية من أجل فرض منع التجول.
  • اطلاق النار من أسلحة أوتوماتيكية على الفلسطينيين الذين يمكثون في المناطق المعرفة على أنها "مناطق خطرة" (خاصة حول الجدار المحيط بقطاع غزة).
  • المبادرة الى اغتيال الفلسطينيين المشتبه بمسؤوليتهم عن العمليات(عمليات التصفية).

إضافة الى ذلك، فقد سُمِحَ بإستعمال ذخيرة ذات قابلية أكبر للقتل، مثل القنابل التي تزن مئات الكيلوغرامات والتي يتم اطلاقها من الجو ومقذوفات "فلاشت" التي يتم اطلاقها من الدبابات.

إن مثل هذه التوسيعات، والتوسيعات الأخرى الخاصة بتعليمات اطلاق النار أدت الى مصرع مئات الفلسطينيين الأبرياء والذين لم يشاركوا في أعمال القتال، مما ينافي قواعد القانون الإنساني الدولي والذي يسري في حالة الإحتلال.

عندما تقع عمليات قتالية داخل المناطق المحتلة، تسري على القوة المحتلة، فضلاً عن القواعد الخاصة بالإحتلال، قواعد القانون الإنساني الدولي والذي يُعنى بقوانين القتال. من جهة، تعمل قوانين القتال على توسيع صلاحية جنود الجيش الإسرائيلي، فوق الصلاحيات العادية لتطبيق القانون، من خلال السماح بالمبادرة الى الحاق الأذى بمن يشارك في الأعمال القتالية. ومن الناحية الأخرى، تحدد السلوكيات المسموح بها لقوات الجيش في نفس الوقت وبطرق عديدة بهدف توفير الحماية قدر الإمكان للمواطنين الذين لا يشاركون في القتال. ولهذا الغرض تم تحديد مبدئين أساسيين في قوانين القتال: قانون التفريق وقانون النسبية.

المبدأ الأول يلزم أطراف القتال بتوجيه هجماتهم تجاه الذين يشاركون في أعمال القتال فقط، وكذلك تجاه الأشياء المستعملة لأغراض القتال. ومن أجل ضمان احترام هذا التفريق، تم تحديد المنع القائم على حظر الهجمات التي لا تُوجَّه الى هدف عسكري معين، مثلما هو الحال بالنسبة للهجمات التي تتم بواسطة أسلحة لا تتيح التمييز الدقيق والكافي ما بين الأهداف العسكرية وبين الأهداف المدنية. يجدر التأكيد هنا الى أن وجود أناس غير مدنيين وسط السكان المدنيين ليس كافياً لتجريد السكان المدنيين من الحماية التي يستحقونها، وأن حقيقة إقدام طرف على خرق هذه القواعد، لا يعفي الطرف الآخر من واجب القيام بها.

مبدأ النسبية يحظر القيام بهجمات حتى لو كانت موجهة تجاه هدف مشروع، إذا كانت الهجمات تُخلِّفُ أضراراً مبالغاً فيها للسكان المدنيين، قياساً مع الفائدة العسكرية المتوقعة من الهجمات.

إن تطبيق هذه المبادئ من قبل اسرائيل في حالات الحرب في المناطق المبنية والمأهولة، ونظراً لكون المشاركين في أعمال القتال من الطرف الفلسطيني لا يتمايزون عن باقي السكان، هو أمر مركب للغاية. ومع هذا، فإن المبادئ التي تم تحديدها في مثل هذه الحالات تبقى سارية المفعول تماماً. وفضلاً عن ذلك، فهي تلزم اسرائيل بإتخاذ المزيد من اجراءات الحيطة والحذر فيما يتعلق بالتخطيط والإستعداد لمثل هذه الحالات، بما في ذلك الإستعداد لإلغاء عمليات معينة بفعل الضرر الذي قد تسببه لحياة المدنيين.

بخلاف المذكور، ومنذ اندلاع انتفاضة الأفصى، خرقت اسرائيل تعليمات قوانين القتال، المرة تلو الأخرى، خاصة خلال عمليات الإقتحام المكثفة داخل المدن الفلسطينية. ومن بين ذلك قيام جنود الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار دونما تمييز وإيقاع اصابات بالمارة، واستعمال ذخيرة ووسائل قتالية لا تتيح التمييز الكافي بين المشاركين في القتال وبين غير المشاركين، وهدم البيوت والممتلكات بمدى واسع، بخلاف مبدأ النسبية.

إن التغيير الذي طرأ على تعريف الوضع أدى الى تغيير سياسة اسرائيل فيما يتعلق بالتحقيق حول مقتل مدنيين فلسطينيين على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي. وحتى بداية الإنتفاضة درجت النيابة العسكرية على إصدار الأوامر بصورة أوتوماتيكية للبدء في تحقيق من قبل الشرطة العسكرية في حالة قتل مدني فلسطيني على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي. وقد تم تغيير هذه السياسة في ظل الإدعاء بأنه تدور حرب في المناطق الفلسطينية وأن الأبرياء يسقطون في كل حرب. ومنذ ذلك الحين درجت النيابة العسكرية على فتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية في الحالات الشاذة فقط. ونتيجة لذلك، ولغاية اليوم، تم الشروع في عدد قليل من التحقيقات قياساً بالعدد الكبير من القتلى.

بالإضافة الى ذلك، قاد التحقيق في عدد قليل فقط من الحالات التي تم التحقيق فيها من قبل الشرطة العسكرية، الى تقديم لائحة اتهام ضد الجنود المتهمين بقتل الفلسطينيين.

إن مثل هذه السياسة تبعث برسالة مرفوضة الى جنود الجيش الإسرائيلي تقوم على التهاون فيما يتعلق بحياة الفلسطينيين وتوجد جواً من الحصانة والحماية من تقديم الحساب.